تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[فصلت: 9-10]. وهذه ستة أيام.

ثم يقول سبحانه:

ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين * فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سمآء أمرها وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم

[فصلت: 11-12]. وهكذا يكون المجموع ثمانية أيام، وهذا هو الفهم السطحي لأن آيات الإجمال جاءت كلها بخبر الخلق في ستة أيام. وتعلم أن كل مجمل يفسره مفصله إلا العدد فإن مفصله محمول على مجمله، فالأرض خلقها الله في يومين، وجعل فيها رواسي، وبارك فيها، وكل مخلوق ثان هو تتمة للأول، فاليومان الأولان إنما يدخلان في الأربعة الأيام، وأخذت بقية الخلق اليومين الأخيرين، فصار المجموع ستة أيام. إذن: فالزمن تتمة الزمن، ولذلك تجد أن اليوم على كوكب الزهرة أطول من عامها لأن عامها بتوقيت الأرض هو مائتان وخمسة وعشرون يوما، أما طول اليوم فيها فهو بتوقيت الأرض مائتان وأربعة وأربعون يوما. إذن: فاليوم على كوكب الزهرة أطول من العام فيها. والسر في ذلك أن كوكب الزهرة يخضع لدورة تختلف في سرعتها عن سرعة الدورة التي تخضع لها الأرض، فدورة كوكب الزهرة حول نفسه بطيئة، ودورته حول الشمس سريعة. إذن: فكل كائن له نظام. وما هو اليوم إذن؟ اليوم في اعتبارنا هو دورة الأرض حول نفسها دورة يتحقق فيها الليل والنهار. ولكننا نجد القرآن الكريم يطلق كلمة اليوم ويفصلها عن الليل، فيقول سبحانه:

سيروا فيها ليالي وأياما...

[سبأ: 18]. وهنا جعل الحق اليوم للضوء والكدح، والليل للظلمة والراحة. والحساب الفلكي يسمى الليل والنهار يوما. ويبين القرآن لنا أن هناك يوما للدنيا، ويوما للآخرة، ويوم الدنيا هو ما نحسبه نحن من شروق إلى شروق آخر، وكذلك هناك يوم عند الله هو بحساب الدنيا يقدر بألف سنة مما يحسبه البشر:

وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون

[الحج: 47]. ويقول الحق في موضع آخر:

تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة

[المعارج: 4]. إذن: فالأزمنة متعددة، ومنوعة، وتختلف من قياس إلى آخر، ومن كوكب إلى آخر. وما أظهره الله لنا في القرآن من الأزمنة إنما يدل على اختلافها، لا على التعارض والتناقض. ثم يقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ ووقف العلماء عند كلمة " استوى " طويلا، واستعرضوا القرآن كله ليحصروها في كتاب الله فوجدوها قد جاءت في اثنتي عشرة سورة: البقرة والأعراف ويونس والرعد وطه والفرقان والقصص والسجدة وفصلت والفتح والنجم والحديد. وأول سورة جاء فيها ذكر استواء الله على العرش هي " الأعراف " يقول الحق:

الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين

[الأعراف: 54]. وما دام الله سبحانه هو الذي خلق فلا تعترض أن يكون الأمر له، وأن يبعث سبحانه من شاء ليكون رسولا لذلك فلا عجب أن أرسل لكم رجلا منكم لأنه لو كان هناك غيره سبحانه هو الذي خلق، ثم جاء ليفتئت فيأمر فيما خلق، لكان للخلق شأن آخر، لكن الله هو الذي خلق، وهو سبحانه الذي أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم. والآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول فيها الحق: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ ، أي: استتب له الأمر. ثم تأتي آية سورة الرعد:

الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقآء ربكم توقنون

[الرعد: 2]. أما الصفات التي توجد في البشر، ووصف الله نفسه بها، هذه الصفات لا تؤخذ على مقتضى ما هي في البشر، فكل إنسان هو ممكن الوجود. ولكن الحق سبحانه وتعالى هو واجب الوجود لذلك تؤخذ تلك الصفات في إطار

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٧٥