تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31]. إذن: لا شك عندكم في أن القرآن لا طعن فيه، بل تطعنون في مسألة أنه جاء على يد محمد صلى الله عليه وسلم، وتمنيتم لو أن القرآن قد جاء على يد واحد آخر تقبلونه. وأنتم في هذه المسألة غير منطقيين لأنكم تريدون أن تتدخلوا في قسمة الله ورحمته في أن ينزل الوحي على من تشاءون، لا من يشاء هو سبحانه. وأنتم بذلك تريدون أن تتحكموا في الرحمة العليا من الله في أن يختار رسولا ليبلغكم عنه. وتتناسون أنكم في هذه الدنيا لا تقسمون الأرزاق لذلك يقول الحق:

أهم يقسمون رحمت ربك...

[الزخرف: 32]. فإذا كنتم تريدون أن تقسموا رحمة الله، فاعلموا هذا القول من الله:

نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا...

[الزخرف: 32]. وهذا الأمر السهل تقسيم المعيشة في الحياة الدنيا تصرف فيه الحق سبحانه، فكيف لكم - إذن - أن تطمعوا في تقسيم الأمر العلوي وهو رحمة الله العليا في أن يرسل رسولا. والحق سبحانه يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ إن ربكم الله ﴾. وساعة تسمع كلمة " رب " ينصرف الذهن إلى الخلق وإلى التربية، ولذلك نحن نستعمل هذه الكلمة ونقول: " فلان رب هذه الأسرة " أي: أنه المتولي تربيتها، وكلمة " الرب " بمعناها المطلق تنصرف إلى الله، فهو الخالق الذي خلق من عدم وأمد من عدم، وهو بهذا الوصف رب لكل خلقه: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي.

وما دام الله سبحانه ربا لكل الخلق، فهو الرازق لكل خلقه، فهو الذي استدعى خلقه إلى هذه الدنيا، وهو الذي يعطي كل مخلوق الرزق الذي كتبه الله له، وهو سبحانه يأمر نواميس الكون وأسبابه أن تعطى له أو لا تعطى، فإن زرع الأرض وأحسن زراعتها أعطى سبحانه الأمر للأرض أن تعطي هذا المخلوق الرزق. وكل مخلوق يأخذ بالأسباب، يوفر له الحق النجاح في الأسباب. وأقول دائما لمن يرون تقدم الكفار في أمور الدنيا، ويتساءلون: لماذا يتقدم الكفار في أمور الدنيا ونتأخر نحن؟ أقول لهم: لقد أخذوا من عطاء الربوبية في الأسباب، وأنتم لم تأخذوا من عطاء الربوبية. وعليكم أيها المسلمون أن تأخذوا بالأسباب، وهي عطاء الربوبية حتى لا يسبقكم الكافرون إليها، ولا تجلسوا في موقع المتفرج، بل المفروض فيكم أن تسبقوا الكفار إلى عطاء الربوبية. أما عطاء الألوهية، وهو أن يقر الإنسان بأن الله هو المعبود بحق، وهو المطاع في " افعل " و " لا تفعل " ، فهذا العطاء لا يناله إلا من آمن به. إذن: فالله رب الجميع، ولكنه إله من آمن به. إذن: هناك فارق بين عطاء الإله، وهو المنهج المتمثل في " افعل " و " لا تفعل " ، وعطاء الربوبية المتمثل في الأمور المادية وهي شركة بين كل الناس: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. وحين يحسن الكافر الأخذ بالأسباب فهو يأخذ نتائجها. والحق سبحانه هو القائل:

من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب

[الشورى: 20]. إذن: فواجب على المؤمنين أن يستقبلوا عطاء الربوبية بحسن الأخذ بالأسباب ليأخذوا النتيجة، ولا يتقدم أهل الكفر عليهم لأن الكافر حين يسبقك في الأخذ بالأسباب، ربما استغل هذه المسألة في أن يفرض عليك ما يخالف دينك. وهنا يقول سبحانه: ﴿ إن ربكم الله... ﴾ [يونس: 3]. أي: أن الذي ربى، هو الذي كلف، ويجب أن تستمعواإلى منهجه. ثم يقول سبحانه: ﴿ الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام... ﴾ [يونس: 3]. وكلمة ﴿ ستة أيام ﴾ هذه وردت في كل آيات القرآن التي تحدثت عن زمن مدة الخلق للأرض والسماوات، لكن هناك آية جاءت بتفصيل ويظهر من أسلوبها أن الخلق قد استغرق ثمانية أيام، وهي في سورة فصلت:

قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٧٤