تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سحروا أعين الناس...

[الأعراف: 116]. أي: سحروا الأعين التي ترى الأمر المسحور على غير حقيقته، رغم بقاء الشيء المسحور على حقيقته. إذن: فهم قد أوهموا المسحورين بغير واقع، لكن المعجزة - معجزة موسى - ليست كذلك لأنها لا تغير من الرائي، بل تغير من حقيقة المرئي فعلا. وقد دلنا القرآن على حقيقة هذه المسألة بالتجربة العملية حين اختار الله موسى وقال له:

وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى

[طه: 17-18]. وحين أمر الحق سبحانه موسى بإلقاء العصا، رآها موسى عليه السلام حية تسعى:

قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى

[طه: 19-20]. فعندما رأى موسى عصاه، قد تحولت إلى حية تسعى على الأرض، فر هاربا خائفا، ولكن الله أراد أن يثبت قلبه ويؤمنه إعدادا له للموقف الذي سيقفه فيما بعد أمام سحرة فرعون فقال له رب العزة:

خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى

[طه: 21]. إذن: فلم يكن هناك سحر في عيني موسى، ولكن كان هناك تغير فعلي في حقيقة العصا. فلما خاف طمأنه الحق سبحانه وأمره بأن يلتقط العصا لأنها ستعود - بإذن الله - إلى سيرتها الأولى. والدليل على أن التغير قد حدث في حقيقة العصا، أن السحرة الذين جمعهم فرعون من كل مكان، ووقفوا في منافسة مع سيدنا موسى، وقالوا له:

إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول من ألقى

[طه: 65]. وقبل موسى عليه السلام التحدي، وتجد القرآن يصور المسألة فيقول:

قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى

[طه: 66]. وقوله: ﴿ يخيل إليه ﴾ يعني: أن الحبال والعصي لم تتغير حقيقتها ولم تسع. وما إن رمى موسى عصاه حتى تحولت إلى حية فعلية تلقف ما صنعوا، وهذا ما جعل السحرة يسجدون ويعلنون الإيمان لأنهم رأوا حقيقة واضحة، وهي أن العصا قد تحولت بالفعل إلى حية. إذن: فالساحر يرى الشيء على حقيقته، والمسحور هو الذي تتغير رؤيته إلى الشيء، فيخيل إليه أنه شيء آخر ولذلك لم يقل أحد: إن موسى تعلم السحر، وإن من علمه غلبهم، لا، بل عرفوا أنها مسألة أكبر من طاقة البشر لأن حقيقة العصا نفسها قد تغيرت، فقالوا:

آمنا برب هرون وموسى

[طه: 70]. ولم يقولوا: آمنا بموسى. إذن: فالتخييل إنما يحدث في عيني المسحور. أقول ذلك حتى نفهم غباء كفار قريش حين اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر، يسحر الناس، فيخرج الولد على أبيه، وأهله. ويجعل العبيد يتمردون على سادتهم. ولو كان رسول الله ساحرا، فلماذا لم يسحر من قالوا هذا الاتهام. وبقاء من يقول بمثل هذا الاتهام دليل على أن مسألة الإيمان بالمنهج وبالرسول لا علاقة لها بالسحر.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٧٢