أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين
[النمل: 22]. ويتخذ سليمان قرارا ينفذه الهدهد:
اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون
[النمل: 28]. وتتتابع الحكاية من بعد ذلك فيقول الحق:
قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم
[النمل: 29]. فكأن الهدهد أخذ الكتاب وألقاه إلى بلقيس فلما قرأته جمعت قومها لتخبرهم. وهكذا حذف القرآن بعضا من التفاصيل التي إن رويت تكون تكرارا ولكن جاءت المسألة بهذه الصورة ليدلنا الحق على أن أوامر التلقي كانت سريعة بحيث لا يوجد فاصل بين الأمر وتنفيذ الأمر، فالتحم الأمران معا. إذن: فقوله الحق: ﴿ قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ﴾ [يونس: 2]. جاء منسجما مع ما يفهم من النص، فهم لم يقولوا ذلك الاتهام إلا بعد أن بلغهم صلى الله عليه وسلم أن الله قال له: بشر وأنذر، فلما بشر وأنذر، جاء قولهم بأن الرسول ساحر، وهكذا نفهم كيف تكون موقفهم هذا من سياق الآية لأنهم لم يقولوا ذلك إلا بعد بلاغ الإنذار، أو بلاغ البشارة. وهكذا نجد أن القرآن قد لا يذكر الأشياء التي إذا سمع السامع الأسلوب أخذها من نفسه دون أن يتطلبها كلام منطوق، ومثل هذا الأمر جاء في لقطة أخرى في قصة سبأ، فبعد أن ائتمر الهدهد بأمر سليمان وذهب بالكتاب فألقاه إلى ملكة سبأ، وقرأته، وجمعت القوم لتأخذ رأيهم فيما تفعله مع سليمان، فكان من أمرها معهم ما ذكره القرآن ثم علم سيدنا سليمان بأمر مقدمها مع قومها، فنجد سيدنا سليمان عليه السلام يسأل من حوله:
أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين
[النمل: 38]. إذن: فهو قد علم أنهم مقبلون عليه بالإسلام، فأراد أن ينقل العرش من مملكتها إلى مملكته قبل أن يجيئوا، وما داموا قادمين في الطريق، فعلى من يذهب ليفك العرش وينقله، لا بد أن تكون له طاقة تفوق قدرة الإنسان العادي، ولذلك لم يتكلم الإنس العادي، لكن الذي تكلم جني غير عادي، ذكي، فمن الجن من يتميز بالذكاء، ومنهم غير ذلك. وجاء قول الحق سبحانه:
قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين
[النمل: 39]. ومقام سليمان مع قومه قد يستمر ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات.
وسيدنا سليمان يريد التعجيل بنقل عرش بلقيس، لذلك تجده يستمع إلى من عنده علم من الكتاب:
قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك...
[النمل: 40]. ألم يكن مثل هذا القول يحتاج إلى إذن من سيدنا سليمان، وأن يقول سليمان اذهب فيذهب ويحل العرش ويعود به؟ نعم، الأمر يحتاج كل ذلك، ولكن القرآن جاء بالقصة في تصوير متتابع للسرعة، وجاء القرآن بخبر العرش، وقد جاء إلى حيث يجلس سليمان عليه السلام:
فلما رآه مستقرا عنده...
[النمل: 40]. وهكذا حذف التفاصيل التي يسهل معرفتها، والتي وقعت بين قول من عنده علم من الكتاب، وبين تنفيذ نقل عرش بلقيس. وكذلك حذف القرآن قدرا من الأحداث في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فعندما بلغهم رسول الله الإنذار، هنا قال الكافرون: ﴿ إن هذا لساحر مبين ﴾ [يونس: 2]. وقد قال الكافرون هذا الاتهام أكثر من مرة، فمرة يقولون عن القرآن: إنه سحر، ومرة يقولون عن محمد: إنه ساحر. ولنسأل: ما معنى كلمة ساحر؟ إن الساحر هو الذي يصنع أشياء، ويوهمك أنها حقيقة وهي ليست بحقيقة. ولذلك يجب أن نفرق بين السحر وبين معجزة موسى، حتى لا يقال: إن معجزة موسى عليه السلام وهي العصا كانت من جنس ما برع فيه سحرة فرعون، صحيح أنها من جنس ما برع فيه قوم فرعون، ولكنها ليست سحرا لأن الحق شاء أن يغير من حقيقة العصا فجعلها أفعى، أما سحر قوم فرعون فهو لا يغير حقيقة الأشياء، بل يوهم من يراها بأنها تغيرت. والسحر يقتضي ساحرا، ويقتضي مسحورا، ويقتضي عملية السحر ذاتها. أما عن الساحر فهو الذات التي تقوم بعملية السحر. ويقول الحق عن السحرة: