[الأحقاف: 15]. ثم يقول الحق سبحانه:
أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون
[الأحقاف: 16]. ولماذا يصف الحق الوعد هنا بأنه وعد صدق؟ لأن هناك من يعد الوعد الكاذب، حين يعد أحدهم بما لا يملك، أو أن تعد بما لا تقدر عليه، أو أن تعد بما لا تمهلك الحياة لإنفاذه. ولذلك قال الحق لنا:
ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله...
[الكهف: 23-24]. إذن: لا بد لك أن تسبق أي وعد بمشيئة الله لأنك حين تعد قد لا تملك إنفاذ ما وعدت به، فقد تعد إنسانا بأن تلقاه في الغد في مكان ما لتتحدثا في أمر ما.
ونقول: أضمنت أن تستمر حياتك إلى الغد؟ هذا هو أول عنصر قد يفقد ثم أضمنت أن تستمر حياته؟ هذا هو العنصر الثاني الذي قد يفقد، ثم أضمنت ألا يتغير السبب الذي من أجله تلقاه؟ ثم أضمنت إن اجتمعت كل هذه العناصر ألا تغير أنت رأيك في هذه المسألة؟ إذن: لا تجازف بأن تعد بشيء ليس عندك عنصر من عناصر الوفاء له، وأسند كل عمل إلى من يملك كل العناصر، وقل:
إلا أن يشآء الله...
[الكهف: 24]. إذن: فوعد الصدق معناه أن يكون الوعد ممن هو قادر على أن يحققه قطعا ولا تخرج الأشياء مهما كانت عن قدرته، ولم يترك الأشياء لأنه باق. ولن يتغير رأيه لأنه ليس حدثا يتغير. بل بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير. وسبحانه وتعالى يقول:
إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 54-55]. هكذا وعد الحق عباده المتقين بأنهم سوف يقعدون في حضرته مقعد صدق وهو المليك المقتدر. وسبحانه يقول:
أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق...
[الإسراء: 80]. أي: أدخلني في هذه البلدة مدخل صدق للغاية التي لا أستحي من أن أقولها، لا أن أدخل بغرض أمام الناس وأنا أخفي غرضا آخر، وكذلك أخرجني منها مخرج صدق. إذن: فكلمة الصدق دائرة ﴿ قدم صدق ﴾ و ﴿ مبوأ صدق ﴾ و ﴿ مقعد صدق ﴾ و ﴿ مدخل صدق ﴾ و ﴿ مخرج صدق ﴾ وكل هذا يحببنا في الصدق لأن كل أمور الحياة وفضائلها وخيراتها، وما ينتظر الناس من سعادة كل ذلك قائم على كلمة الصدق. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: ﴿ وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق ﴾ [يونس: 2]. أي: أن لهم سابقة فضل عند ربهم يجازيهم بها لأنهم عملوا بمقتضى منهجه، أما موقف الكافرين فهو مختلف لذلك يقول فيه الحق سبحانه: ﴿ قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ﴾ [يونس: 2]. ولماذا جاء سبحانه بخبر الكافرين هنا رغم أن الموقف هو إنذار وبشارة؟ ونقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم حين أبلغ المنهج عن الله، استقبله أهل الإيمان بالتصديق، أما الكافرون فقد اختلف موقفهم، فاتهم بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر. وجاء قول الحق على هذه الصورة المبينة بالآية لأن القرآن يحذف أشياء أحيانا، لأن لباقة السامع ستنتهي إليها، فلا يريد أن يكرر القول. وانظر إلى قصة بلقيس، حيث نجد الهدهد يقول لسيدنا سليمان:
أحطت بما لم تحط به...
[النمل: 22]. هذا هو الهدهد وهو المخلوق الأقل من سليمان عليه السلام يقول له: لقد عرفت ما لم تعرفه أنت، وكأن هذا القول قد جاء ليعلمنا حسن الأدب مع من هو دوننا، فهو يهب لمن دوننا ما يعلمه لنا، ألم يعلمنا الغراب كيف نواري سوأة الميت؟
فبعث الله غرابا يبحث في الأرض...
[المائدة: 31]. ويقول قابيل:
ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين
[المائدة: 31]. وهكذا يتعلم الإنسان ممن هو دونه، وممن سخره الله له. وانظر كيف أبرز لنا الله أن الأدنى إن رأى خبرا، لا بد أن يبلغه للأعلى، فتتحقق سيولة المعلومات، التي يتخذ الأعلى على ضوئها القرار المناسب فالهدهد يقول لسيدنا سليمان: