تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من شر الوسواس الخناس

[الناس: 4]. والآية الخامسة:

الذى يوسوس في صدور الناس

[الناس: 5]. والوسواس الخناس: هو الذي يزين لك أفعال الشر في أذنك، وهو خناس لأنه يخنس ساعة يسمع قولك: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وهو يوسوس في صدور الناس الموسوس إليهم. وهكذا نجد أن كلمة " الناس " قد جاءت لتعبر عن المربوبين، والمملوكين، والمألوهين، والموسوس إليهم، وأن من يوسوس قد يكون من الجن، وقد يكون من الناس. إذن: فليس هناك تكرار بل جاءت الكلمة الواحدة بمعنى يناسب كل موضع جاءت فيه. والمثال في حياتنا - ولله المثل الأعلى - قد أكون معلما متميزا واختارتني الكلية التي أقوم بالتدريس فيها لأكون رائدا للطلاب، ورئيسا لجمعيتهم الصحفية، ومشرفا عليهم في الرحلات، ومراجعا لتصحيح أوراق إجاباتهم، وهكذا تكون كلمة " الطلاب " لها معنى مختلف في كل موقع. والحق يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم... ﴾ [يونس: 2]. والحديث موجه لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الرسول الخاتم. إذن: فالمراد بإنذار الناس هنا هم جميع الناس. وما المقصود بقوله: ﴿ أن لهم قدم صدق عند ربهم ﴾ [يونس: 2]. إن القدم كما نعرفه: هو آلة السعي إلى الحركة، كما أن اليد آلة الإعطاء فتقول: فلان له يد عندي، أو تقول: أنا لا أنسى أياديك علي حين يقدم لك صديق هدية ما، وهو قد سار على قدميه ليحضر لك الهدية، ولكنه يناولك لها بيديه. إذن: فكل جارحة لها ظاهر في الحركة وفي الأعمال. فالقدم تسعى إلى الأشياء، واليد تتحرك في العطاء، والأذن في السمع، والعين في الرؤية. وهكذا يكون معنى ﴿ قدم صدق ﴾ هو سابقة فضل لأنهم حين استمعوا إلى منهج الله، وأدوا مطلوبات هذا المنهج كما يحب الله فعليك يا محمد ان تبشرهم بالجنة.

ذلك أن لهم سابق قدم، سعي إلى الخير، وهو قدم صدق. لكن هل هناك ما يمكن أن نسميه " قدم كذب "؟ نعم، وهو ما يخلعه الأفاقون على تواريخ الناس، فيصفونهم بما لم يكن فيهم، وهكذا نفرق بين قدم الصدق وقدم الكذب. قدم الصدق - إذن - هو سابقة في الفضل أهلتهم لأن يكونوا موضع البشارة، فهم قد صدقوا المنهج، وأعطوا من واعد حق. والصدق - كما نعلم - هو الخصلة التي لا يمكن لمؤمن أن يتنحى عنها لأنه لو تنحى عنها، فهذا يعني التنحي عن الإيمان. وحينما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جبانا؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ فقال: لا. إذن: فالصدق هو جماع الخير. وعلى الصدق تدور الحركة النافعة في الكون. وحين يصدق التاجر في ثمن الأشياء ويصدق العامل في إخلاصه للعمل ويصدق الصحفي في نقل الخبر، ويصدق كل فرد في المجتمع، هنا يتكامل المجتمع وينسجم لأن الفساد في الكون إنما ينشأ من الكذب، والكذب هو الذي يخل بحركة الحياة. لذلك أتى الله بكلمة الصدق في القرآن في أكثر من موضع، فهو القائل:

ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق...

[يونس: 93]. فحين قالوا:

لن نصبر على طعام واحد...

[البقرة: 61]. أنزلهم الله بمكان يحقق لهم ما طلبوا من طعام، فلم يخدعهم سبحانه، ويأتي الحق مرة ثانية بكلمة الصدق فيقول:

واجعل لي لسان صدق في الآخرين

[الشعراء: 84]. أي: اجعل لي ذكرا حسنا فيمن يأتون من بعدي، فلا يقال في تاريخي كلام كذب، وألا يخلع علي الناس ما ليس في. وقد قال الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن الإنسان:

ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٦٩