أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله...
[النساء: 54]. فهل كل الناس تتلقى الحسد؟ لو كان الأمر كذلك فمن الحاسد؟ إذن: فقوله الحق:
أم يحسدون الناس...
[النساء: 54]. إنما يعني أن هناك أناسا حاسدين، وآخرين محسودين.
ولا تكون كلمة " الناس " عامة شاملة لكل الأفراد إلا في حالة الحكم العام. والمثال هو قوله الحق:
إن أول بيت وضع للناس...
[آل عمران: 96]. وهذا القول الحق يحل لنا إشكالا عاما، فالبيت الحرام موضوع لكل الناس، من لدن آدم، وآدم هو أبو الناس. ولا بد - إذن - أن يكون البيت موضوعا قبل أن يكون آدم، وأن الذي وضعه هو من غير الناس، فالذي وضعه هو بأمر من الحق سبحانه، فلا يقولن أحد: إن إبراهيم - عليه السلام - هو الذي وضع البيت الحرام لأن مهمة إبراهيم - عليه السلام - كانت هي رفع القواعد من البيت لأننا لو قلنا: إن إبراهيم - عليه السلام - هو الذي بنى البيت فكيف ينسجم هذا مع قوله الحق:
وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل...
[البقرة: 127]. وهو قول نفهم منه أن إسماعيل كان شريكا لوالده في الرفع والبناء، ولا بد أن يكون قد امتلك درجة من القوة تجعله قادرا على مساعدة الأب في العمل. وهذا القول أيضا نفهم منه أن عملية رفع القواعد من البيت لم تتم وقت أن كان إسماعيل رضيعا لأن الحق سبحانه قال على لسان إبراهيم عليه السلام:
ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم...
[إبراهيم: 37]. وهذا يعني أن البيت كان موجودا قبل ذلك. وقولنا هذا يرد على بعض العلماء الذين قالوا: إن إبراهيم - عليه السلام - هو أول من بنى الكعبة فنقول لهم: وماذا عن الخلق البشري من قبل إبراهيم إلى لدن آدم، أليسوا ناسا فلماذا لم يكن لهؤلاء الناس من قبل إبراهيم بيت محرم؟ وهكذا شاء الحق سبحانه أن يكون البيت الحرام لكل الناس من لدن آدم، وأنه موضوع من قبل الله. وكلمة الناس - إذن - عامة حين يتعلق الأمر بحكم عام، وتكون خاصة في مواقع أخرى، مثل قوله:
أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله...
[النساء: 54]. وأما سورة " الناس " التي قال بعض المستشرقين: إن فيها تكرارا. فالأمر ليس كذلك، بل هيأ لهم ذلك عجزهم عن امتلاك ملكة فهم اللغة. وحين نتناول كلمة " الناس " بالاستقراء الدقيق في هذه السورة، نجد الحق سبحانه يقول:
قل أعوذ برب الناس
[الناس: 1]. وهذا إعلان للربوبية لكل الخلق، فهو الرب الذي أوجد وأعطى الصفات لكل مخلوق. ولا تحسب أنك تستطيع أن تشرد منه فهو سبحانه يقول:
ملك الناس
[الناس: 2]. أي: أنه يملك كل الخلق، وجعل لهم الاختيار في أشياء ومنع عنهم الاختيار في أشياء، ولم يقل سبحانه: " مليك الناس " لأن هذا القول يعني أنهم مجبورون على الإيمان، ولا يسعهم غير هذا، ولكن الله جعلهم مختارين في الأمور التي هي مناط للتكليف، وغير مختارين في أمور هي ليست محلا لهذا.
وأقول لأي واحد ممن تمردوا على الإيمان فكفروا بالله أقول: أنت متمرد على الله، وتكفر به، وتنكر الألوهية، فلماذا لا تكون منطقيا مع نفسك، وتتمرد على كل الأحداث التي تصيبك، فإن أصابك مرض قل له: لا، لن أمرض. فلا أحد يستطيع أن يدفع عن نفسه قدرا شاءه الله لأن الأحداث ستنال من كل إنسان ما قدره الله له. إذن: فكل إنسان هو مملوك لله. وهكذا نجد الفرق بين أن يقول سبحانه:
قل أعوذ برب الناس
[الناس: 1]. وان يقول:
ملك الناس
[الناس: 2]. و " الناس " في الآية الأولى هم المربوبون، والناس في الآية الثانية هم " المملوكون لله " فلا أحد يخرج عن قدرة الله في الأمور القهرية. وتأتي " الناس " في الآية الثالثة:
إله الناس
[الناس: 3]. لتؤكد أن الحق هو الإله المعبود بحق، وهو الذي يقيك مما ستأتي به الآية الرابعة: