تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى

[الضحى: 1-3] والضحى ضحوة النهار وهي - كما قلنا - للعمل والحركة، فإذا جاء الليل فهو يبدو وكأنه ضد النهار، لكنه غير ذلك، بل هو مكمل له ويساعده. إذن: ففتور الوحي لمدة من الزمن كان لمساعدة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتجديد الحيوية. وقد أقسم الحق سبحانه بالضحى والليل، وهو قسم بالظاهرة الكونية المشاهدة والتي يعترف بها كل إنسان، مؤمنهم، وكافرهم! أقسم الحق بالضحى أنه ما قلى رسوله، بل شاء بفتور الوحي أن يعطيه طاقة تزيد من حركته، وتزيد من جهده ليشتاق صلى الله عليه وسلم لأمر الوحي. وبذلك أعانه الحق على مهمته، وفي هذا أبلغ رد على من قالوا: إن رب محمد قد قلاه، وإثبات أن الحق قد شاء لفترة فتور الوحي أن تكون كالليل سكونا، ليهدأ صلى الله عليه وسلم بعد الضحى المجهد الذي استقبل به الوحي. وبعد أن تتجدد حيويته صلى الله عليه وسلم يأتي الوحي من جديد لذلك قال الحق:

وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى

[الضحى: 4-5]. وبعد هذه السورة يقول الحق سبحانه في سورة الشرح:

ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك

[الشرح: 1-4]. وهكذا بين لنا الحق أن مسألة فتور الوحي وعودته هي عملية متكاملة، لكن الأغبياء فقط هم من يظنون أنها متناقضة ويقولون: ظلمة - وضوء، وليل - ونهار والحق أنها متكاملة.

ومثل هذا الأمر تجده أيضا فيمن يحاولون خلق عداوة بين الرجل والمرأة، ولم يتفهموا أن الذكر متمم للأنثى، وأن الأنثى متممة للذكر. وهنا يقول الحق: ﴿ أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا... ﴾ [يونس: 2]. والإنذار - كما نعلم - هو الإخبار بشيء يمكن أن تتلافاه. أما البشارة فهي الإخبار بخير يحثك من يبشرك على أن تقتنيه. وأنت تنذر من يهمل في دراسته بأنه قد يرسب، وأنت حين تنذره إنما تطالبه بأن يجتهد، وفي المقابل فأنت تبشر المجتهد بالنجاح وبالمستقبل الطيب. إذن: فالإنذار يعني أن تحث الإنسان على ألا يقبل أو يقدم على ما يضره. والتبشير يعني أن تحث الإنسان على أن يجتهد لينال ما يحبه. والأمور في الأحداث كلها تدور بين سلب وإيجاب. ولسائل أن يقول: ولماذا جاء سبحانه بالإنذار قبل البشارة؟ فنقول: إن كلمة " الإنذار " كلمة عامة لكل الناس، حتى يتجنبوا ما يقودهم إلى النار، لكن البشارة تكون لمن آمن فقط. أو أن الإنذار والبشارة للمؤمنين، ولكن شاء الحق أن يجعل المؤمنين في صف البشارة دائما، وأن يكون الإنذار لونا من ضرورة التخلية من العيوب، قبل التحلية بالكمال. فأنت تدفع عن نفسك الأمر الذي يأتي بالضر أولا، ثم تتجه إلى ما يجلب النفع من بعد ذلك لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. ونجد الحق سبحانه يحدد الإنذار بأنه للناس، والناس: هم الجنس المنحدر من آدم إلى أن تقوم الساعة. وقد وقف بعض المستشرقين عند كلمة " الناس " ، وأرادوا أن يدخلونا من خلالها إلى متاهات التشكيك في القرآن، وقالوا: إن القرآن فيه تكرار لا لزوم له. وأهم سورة أخذها هؤلاء المستشرقون هي سورة " الناس " حيث يقول الحق:

قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذى يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس

[الناس: 1-6]. وهذا الجمع من المستشرقين فهموا أن المعنى لكلمة " الناس " في كل آية من آيات هذه السورة هو معنى واحد. ولأنهم لم يتمتعوا بملكة اللغة لم يلتفتوا إلى أن معنى كلمة " الناس " في كل موقع هو معنى مختلف وضروري لأن الحق سبحانه أراد بكل كلمة في القرآن أن تكون جاذبة لمعناها، وأن يكون كل معنى جاذبا للكلمة المناسبة له. والمثال أيضا في كلمة " الناس " هو قول الحق سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٦٧