تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد شاء الحق أن يشوق النبي صلى الله عليه وسلم، للوحي ففتر الوحي لمدة من الزمن. وحين اشتاق النبي للوحي كان ذلك يعني أنه قد شحن نفسه بطاقة متقبلة لاستقبال هذا الوحي بما فيه من تعب. ولله المثل الأعلى دائما، قس أنت الجهد المبذول في رحلة إلى من تحب، أثناء المطر، والأرض موحلة ومليئة بالشوك، ورغم ذلك أنت تقطع الرحلة دون أن تلتفت لما فيها من إرهاق وتعب. وشاء سبحانه أن يرغب رسوله شوقا إلى الوحي، رغم ما فيه من جهد لأنه التقاء ملك ببشر، وهذا اللقاء يكون على صورتين: إما أن ينقلب الملك إلى مرتبة بشرية وهذه الصورة ليس فيها إجهاد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن عملية التحويل جاءت في الأعلى بينما يظل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو،مثلا

" دخل جبريل على رسول الله، وكان معه بعض من الصحابة، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما الإيمان؟ وما الإسلام؟ وما الإحسان؟ ثم اختفى السائل، فسأل الصحابة رسول الله عن هذا السائل فقال: " هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمور دينكم ".

هذه هي الصورة الأولى في الوحي، والتحول فيها كان من جهة الإرسال فلا مشقة فيها على النبي صلى الله عليه وسلم. أما الصورة الثانية، فقد كان فيها مشقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الملك يظل على طبيعته، والتحول إنما يحدث لمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان التحول يقتضي عملية كيمياوية تصيبه بالجهد فيقول بعد أن يسرى عنه: " زملوني ". وشاء الحق أن يتلطف برسوله، ففتر الوحي فترة من الزمن. وقال الكافرون من العرب: إن رب محمد قد قلاه وهذا غباء منهم لأنهم اعترفوا أن لمحمد ربا. وما داموا قد اعترفوا، فعدم إيمانهم صلف وغباء، وأرادوا بذلك أن ينسبوا النقص لمحمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الله قد قلى محمدا. وقد شاء الحق أن ينقطع الوحي عن محمد صلى الله عليه وسلم هذه المدة ليكشفهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم، لتنكشف نواياهم، وتثبت قلة بصيرتهم، وافتقادهم للمنطق السليم، فهم حين اعترفوا أن لمحمد ربا، كان عليهم أن يحتكموا إلى عقولهم ليعرفوا أنهم قد أقروا بالألوهية، لكنهم أرادوا بهذا الاعتراف أن ينسبوا النقص لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو قاضيناهم إلى عقولهم، وإلى الكون الذي عاشوا فيه، وإلى الظواهر المادية المحسوسة لهم، لعرفوا أن الأحداث لا بد لها من زمان ومكان لأن كل حديث يتطلب زمانا ومكانا، وإذا لم يوجد حدث لا يوجد زمان أو مكان. ولذلك أقول دائما لمن يسأل: أين كان الله؟ أقول له: أنت جئت بالأينية من الزمان، والمكانية من المكان، وهذا لا يتأتى إلا بوجود حدث.

وما دام الله غير حدث، فلا زمان يحدده، ولا مكان يحيزه لأن الزمان كان به، والمكان كان به. والأحداث هي عند البشر، فهم من يستقرون في المكان، ويتوالى عليهم الزمان. والزمان الذي يحدث فيه أي حدث اسمه " ظرف زمان " ، والمكان الذي يحدث فيه الحدث اسمه " ظرف مكان " وظرف المكان ظرف قار ثابت، بينما ظرف الزمان غير قار، بل هو حال، وبعد قليل يصبح الحال زمنا ماضيا ويأتي المستقبل ليكون حاضرا، ثم يصبح ماضيا. وهكذا نعلم أن زمنا يحدث فيه التناوب بين المستقبل والحال والماضي، والليل والنهار هما أوضح صور ظرف الزمان وفيهما اختلاف، فالليل يأتي والنهار خلفه لأن النهار جعله الله ضياء للحركة والكدح والعمل، وجعل سبحانه الليل ظلاما للسكون والراحة، فإن لم ترتح بالليل لا تقوى على العمل في الصباح، وهكذا يكون الليل مكملا للنهار لا مناقضا له. وكذلك شاء الحق أن يكون الوحي بهذا الشكل، فحين جاء الوحي لأول مرة أجهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم فتر الوحي ليستريح صلى الله عليه وسلم وتتجدد قدرته على استقبال الوحي من بعد ذلك. وحين قال الكافرون: إن رب محمد قد قلاه، رد عليهم الحق سبحانه وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٦٦