كيف تكفرون بالله...
[البقرة: 28]. أي: قولوا لنا: كيف قبلتم لأنفسكم الكفر؟ لأن الكفر مسألة عجيبة تتنافى مع الفطرة. وهنا يقول الحق: ﴿ أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم... ﴾ [يونس: 2]. وهنا نتساءل: كيف تتعجبون وقد جئناكم برسول من أنفسكم،
عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم
[التوبة: 128]. أليس هذا هو المطلوب في الرائد، فكيف تعجبون؟. إن عجبكم يدل على أن بصيرتكم غير قادرة على الحكم على الأشياء، وما كان يصح أن يستقبل الرسول بالعجب، ونحن نتعجب من عجبكم هذا. وحين تتعجب من العجب فأنت تبطل التعجب. ﴿ أكان للناس عجبا أن أوحينآ... ﴾ [يونس: 2]. أي: أن إيحاءنا لرجل منكم كان عجيبا عندكم، وما كان يصح أن يكون أمرا عجيبا لأنه أمر منطقي وطبيعي. ثم ما هو الوحي؟ لقد سبق أن أوضحنا أن الوحي هو الإعلام بخفاء. وهناك إعلام واضح مثل قولك لابنك: يا بني اسمع كذا، وافعل كذا. هذا إعلام واضح. وهناك إعلام بخفاء، كأن يدخل عندك ضيف ثم يسهو خادمك - مثلا - عن تحيته، فتشير للخادم إشارة تعني بها أن يسرع بتقديم التحية للضيف من مرطبات، أو حلوى، وهكذا تكون قد أعلمت خادمك بخفاء. والحق سبحانه وتعالى يوحي إلى الجماد، فسبحانه يقول:
إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها
[الزلزلة: 1-5]. أي: أنه سبحانه وتعالى قد أعلمها إعلاما خفيا وهي قد فهمت بطريقة لا نعرفها. وسبحانه يوحي للحيوانات، فهو القائل:
وأوحى ربك إلى النحل...
[النحل: 68]. وأنت لا يمكنك أن تقول: أنا سمعت الله وهو يوحي للنحل لأن الوحي إعلام بخفاء، وهو سبحانه أعلم بالطريقة التي تم بها هذا الوحي، والنحل قد فهم عنه سبحانه، ولا شأن لك بذلك، فلا تسأل عن كيفية هذا الوحي.
وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون
[النحل: 68]. أي: أنها فهمت عن الله بما أودع فيها من الغرائز. وسبحانه يوحي للملائكة وهو القائل:
إذ يوحي ربك إلى الملائكة...
[الأنفال: 12]. ويوحي الحق سبحانه إلى غير الرسل كما أوحى إلى أم موسى
وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم...
[القصص: 7]. وأوحى سبحانه إلى الرسل جميعا.
إذن: فسبحانه يوحي للجماد، ويوحي للحيوان، ويوحي للملائكة ويوحي للصالحين من غير الأنبياء، ويوحي للأنبياء وللرسل. والوحي - كإعلام بخفاء - يقتضي معلما، وهو الحق سبحانه وتعالى، ومعلما وهو إما: الأرض، وإما النحل، وإما الملائكة، وإما إلى بعض الصالحين من غير الأنبياء، وإما إلى الرسل والأنبياء. وقد يأتي الوحي من غير الله، فسبحانه يقول:
وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا...
[الأنعام: 112]. إذن: فالشياطين يعلمون بعضهم البعض إعلاما خفيا. ويقول الحق:
إنآ أوحينآ إليك...
[النساء: 163]. والموحى إليه هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهو وحي خاص بالرسول، فلا تقل: أنا لم أسمع ماذا أوحي إلى محمد، ولا أعرف كيف نزل الوحي، فقد جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغه أن يعلن ما أوحي إليه، ولو كنت أنت قادرا على سماع الوحي من جبريل، فما ضرورة إرسال الرسول إذن؟ إن الطاقة والقدرة العالية المرسلة إلى الموحى إليه تحتاج إلى قوة تحمل، وضربنا المثل من قبل بأن الإنسان حين ينقل طاقة من مصدر عال قوي إلى مصدر ضعيف فهو لا يسرب الطاقة من القوي إلى الضعيف دفعة واحدة، وإلا لما تحمل الضعيف تلك الطاقة القادمة إليه من القوي، ولذلك نحن نأتي بمحول يتحمل طاقة القوي، ثم ينقل للضعيف ما يناسب قدرته، ومثال ذلك هو شراؤنا لمحول كهربي حين ننقل الكهرباء من مصدر طاقة عالي الجهد إلى مصدر آخر ضعيف قليل الجهد مثل المصباح الصغير الذي تضيئه في المنزل ليلا لينير بالقدر المناسب كيلا نرتطم بالأشياء، وهو ما نسميه بالعامية " وناسة ". إذن: فمهمة المحول أن يستقبل من مصدر الطاقة القوي ليضيء لمصدر الطاقة الضعيف. فإذا كان الله سبحانه وتعالى هو الذي يوحي للرسول، والرسول من البشر لا يمكنه التلقي المباشر عن الله لذلك لا بد من واسطة تبلغ في الارتقاء بما يمسح لها بالتلقي عن الله، وتستطيع أن تلتقي بالبشر وهذه خاصية الملك. ورغم هذا أصاب الجهد والتعب سيدنا رسول صلى الله عليه وسلم في أول تلقيه للوحي، وكان صلى الله عليه وسلم يعرق حتى يتفصد العرق من جبينه، وإذا انصرف عنه الوحي قال: " زملوني.. زملوني " ويرتعد. وكان الصحابة يقولون: كان إذا نزل الوحي على رسول الله، وهو قاعد وقد تكون ركبته على فخذ أحد الصحابة، فيجد الصحابي ثقلا على رجله من شدة وطأة ركبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا نزل الوحي، والرسول يركب مطيه فهي تئط منه. إذن: كان الوحي يتعب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن يسرى عنه التعب تبقى له حلاوة ما أوحي إليه فيتشوق ثانية للوحي.