وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس...
[النحل: 7]. أي: أنها ستعطينا درجة من الراحة، وإذا كان الإنسان قد اخترع أدوات أخرى تحمل عنا هذه المشقات، وتبلغنا غاياتنا بدون تعب فهذه اختراعات تحقق مصلحة البشرية - وقد كانت البشرية تحمل أمتعتها فوق الحمار أو البغل - وقد صنع الإنسان هذه الاختراعات فصارت عندنا السيارات الكبيرة التي تحمل أطنانا من المواد والمتاع، ولكن لم نلتفت إلى ما تحدثه من عوادم تسبب فساد الهواء، وتلوثه على عكس فضلات الحمار أو البغل، التي تفيد في خصوبة الأرض. إذن: فصناعة السيارات إن لم تتخلص من عيوب عوادمها بأسلوب ما، فهي اختراع بلا حكمة، ويجب البحث عن وسائل لإزالة أضرار احتراق الوقود، وبذلك نستفيد من سرعة السيارات، وقدرتها على حمل البضائع، ونتخلص مما تسببه من ضرر. وهكذا نعرف أن الحكمة هي: وضع الشيء في موضعه المفيد فائدة دائمة لا يأتي من بعدها ضرر. ولقائل أن يقول: وما معنى قول الحق: ﴿ الكتاب الحكيم ﴾ هل الكتاب بمفرده له حكمة؟ أم أن الحكيم هو من أنزل الكتاب؟ ونقول: إن معنى ﴿ الكتاب الحكيم ﴾ أنه الكتاب الذي يمتلئ بالحكمة الصادرة من الله، أو الكتاب الذي أنزله الرب الحكيم.
وكلمة " حكيم " على وزن " فعيل " ، ومثلها مثل " كريم " و " رحيم " وتأتي مرة بصيغة فاعل، ومرة بصيغة فعيل، وموضعها هو الذي يبين لنا ذلك. ومعنى كلمة " الحكيم " يتضح لنا من سياقها: فإن نسبت الأمر إلى الحكم فهو كتاب صادر من الحق سبحانه، وإن أردت الوصف بمعنى فاعل فهو من حاكم والحاكم هو الذي يحكم في قضايا ليبين وجه الحق فيها، والقرآن يحكم في كل قضايا الإيمان. وقمة العقيدة التي يحكم فيها القرآن هي لا إله إلا الله. ومن يفعل عكس ذلك هو الظالم، وسبحانه القائل:
إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13]. والقرآن يحسم هذه القضايا، وهو حاكم فاصل فيها. فإن قلت: " محكم " تكون قد نسبته لله، وإن قلت: " حاكم " فهو الفاعل وهو يحكم في قمة العقيدة " لا إله إلا الله " ، وهي شهادة ذات لذات، وشهادة مشهد من الملائكة، وشهادة أدلة من الخلق:
شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم...
[آل عمران: 18]. وساعة يفصل القرآن في هذه القضية، فهو يحكم فيها حكما عدلا يبين وجه الحق في قمة العقائد. وهو حاكم في الأفعال فيبين الحلال من الحرام ويضع حدا فاصلا في الأحكام بين الحلال والحرام. وحاكم في الأخلاق. إذن: " حاكم " تعني ما بين وجه الحق فيما تتعارض فيه الآراء والأفكار والمعسكرات المتضاربة. و " حكيم ": إما أن تكون بمعنى " فاعل " وإما أن تكون بمعنى مفعول ووقعت الحكمة من قائله عليه، فصار " محكما " ، وإن كانت كلمة الحكيم بمعنى فاعل تكون بمعنى " حاكم " وكلمة حاكم تدل على أن هناك فريقين: فريق يقول قضية، وفريق آخر يناقضه، فيأتي الحاكم ليفصل بين الأمرين، وليعدل وينصف. وقد جاء القرآن هكذا: حاكما في أمر القمة التي اختلف الخلق فيها فمنهم من أنكر وجود إله وهم الملاحدة. ومنهم من قال: إن الإله هو غير الله، ومنهم من قال: الإله شريك لغيره، فجاء القرآن ليفصل في هذه المسألة، وحكم فيها حكما واضحا، وبين: يا من تقولون: لا إله أنتم كذابون، ويا من تقولون: إن الإله غير الله أنتم كذابون، ويا من تقولون: إن الإله له شركاء مع الله أنتم كذابون، بل هو إله واحد، وهذا أول حكم في قضية القمة. وما دام الحكم في قضية القمة قد صح إذن: فالاستقبال للمنهج سيكون واحدا، فلا آلهة متعددة يضارب هذا ذاك، أو يناقضه، بل هو إله واحد، يصدر عنه حكم واحد يحقق الوحدة في التكاليف للناس جميعا، ويخرج جميع الناس من أهوائهم إلى مراده هو سبحانه، ويكون القرآن حاكما أيضا في الأفعال، فقد يختلف الناس في تقييمهم لفعل واحد.