فالله يقول لرسوله: تلك الآيات يا محمد. وعلى ضوء الفوارق بين الإشارة والخطاب تختلف أساليب القرآن، مثل قوله الحق:
فذانك برهانان من ربك...
[القصص: 32]. و ﴿ فذانك ﴾: إشارة لشيئين اثنين: للعصا. و
وأدخل يدك في جيبك...
[النمل: 12]. ويقول الحق أيضا:
ذلكما مما علمني ربي...
[يوسف: 37]. وهذا ما قاله سيدنا يوسف عليه السلام للسجينين اللذين كانا معه. وتظهر لنا العبارة أنه كان يخاطب اثنين، ولكنه يشير إلى التأويل ب " ذا ". وحين دعت امرأة العزيز النسوة ليشاهدن جمال سيدنا يوسف، وأعطت كل واحدة منهن سكينا وقالت: اخرج عليهن، ولأنه مفرد مذكر، وهن جماعة إناث، فالعبارة تأتي بخطاب لجماعة الإناث، وإشارة إلى المفرد المذكر فقالت:
فذلكن الذي لمتنني فيه...
[يوسف: 32]. و " ذا " إشارة إلى سيدنا يوسف، و " كن " خطاب للنسوة. والقرآن حين يخاطب جماعة يقول:
وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم...
[فصلت: 23]. إذن فهناك فرق بين الإشارة والآيات، فال " ت " إشارة للآيات، والآيات مؤنثة، والمخاطب الأول بالتكليف هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. والآيات - كما عرفنا من قبل - جمع آية، والآية هي الأمر العجيب، وكل منا يسمع من يقول: إنها آية في الحسن أو آية في الجمال، أو آية في الفن، أو آية في الروعة. فالآية إذن هي الشيء العجيب، أو الشيء الذي بلغ من الحسن ومن الجمال درجة هائلة. وتطلق الآيات إطلاقات متعددة: فهي إما أن تكون المعجزات التي أمد الله بها رسله ليثبت صدقهم.
مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين
[الأعراف: 132]. وإما أن تطلق الآيات على الأشياء العجيبة في الكون مثل قوله الحق:
وآية لهم اليل نسلخ منه النهار...
[يس: 37]. وقوله سبحانه:
وجعلنا اليل والنهار آيتين...
[الإسراء: 12]. وقوله الحق:
وجعلنا ابن مريم وأمه آية...
[المؤمنون: 50]. إذن: فالآية إما أن تكون شيئا في الكون، وإما أن تطلق على المعجزة التي جاء بها الرسل لتثبت صدقهم في البلاغ عن الله، وقد يكون المقصود بها آيات القرآن. إذن: فالآيات تطلق على ثلاثة أمور: الآيات الكونية للنظر والاعتبار، وآيات إعجازية لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الله، وآيات قرآنية تحمل الأحكام والتحدي للمشركين أن يأتوا بمثلها. وهنا في قوله الحق: ﴿ الر تلك آيات الكتاب ﴾ المراد بها: الآيات القرآنية، وما دام الله هو خالق الآيات الكونية الحسية، وخالق المعجزات وهو منزل القرآن فلا تعارض بين الآيات لأن مصدرها واحد. وقوله: ﴿ الر تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ [يونس: 1]. وكلمة ﴿ الحكيم ﴾ معناها: الذي يضع الشيء في موضعه الدقيق بحكمة، فلا ينظر إلى ظاهر معطيات الشيء الآن ويغفل ما قد يأتي به من مضرة.
ولله المثل الأعلى أقول: إنك قد تصل إلى الشيء، وتظن أنه يخلصك من متاعب أخرى، لكنه قد يؤدي إلى شيء أضر، وهذا هو السبب في اختلاف ألوان ووظائف العقاقير المختلفة، ولذلك نجد الطبيب الحاذق يكتب عددا من الأدوية ليستخلص المريض منها ما يشفيه، ويحاول بقدر الإمكان أن يجنبه الآثار الجانبية لتلك الأدوية. إذن: فهذه حكمة لأن الطبيب لا يكتب الدواء الواحد الذي قد يأتي منه أثر ضار، بل يكتب معه دواء يخفف من ضرره، وهذه حكمة منه لأنه يعمل احتياطات لما قد ينشأ من ضرر أو أثر جانبي. وفي أوائل الخمسينات، حاول العلماء أن يقللوا من أثر تهديد الحشرات للزروع، واخترعوا مادة اسمها " د. د. ت " لمقاومة الحشرات، وافتخروا بهذا كل الفخر حتى علا كل صوت، وهذا لأن البشرية وصلت إلى مادة تقضي على الحشرات، ولكنهم اكتشفوا أن هذه المادة تضر الكائنات الحية الأخرى، والآن توقع العقوبة على من يستخدم تلك المادة لأن ذلك عمل قد تم بغير حكمة. قد نأخذ منه ظاهر النفع، لكن له جوانب متعددة من الضرر، فقد سمم الحيوانات وسمم الزروع. إذن: فالحكمة تعني: أن تضع الشيء في موضعه ليعطيك فائدة لا تحدث ضررا فيما بعد. وقد أنزل الله المنهج في الكتاب ليقود حياتنا إلى كل صلاح. فإن طبقناه فلسوف يأتي منه كل نفع، ولن يأتي لنا أي ضرر، وضربنا المثل في المعطيات التي أعطاها الحق لنا في الكون، فسبحانه خلق لنا الحيوانات لنأخذ من لبنها، ونأخذ من أصوافها، ونأخذ من جلودها، ونأكل من لحومها. وهو القائل: