تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألا هبي بصحنك فاصبحينا

ويقول:

ألا لايجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

ما معنى ألا هنا، ولماذا جاءت؟ فالمعنى واضح بدونها، لكن العربي القديم قد نطق هذا البيت، وعرف أن الكلام وسيلة إفهام وفهم بين المتكلم والسامع. والمتكلم هو مالك الزمام في أن يتكلم، أو لا يتكلم، والسامع مفاجأ بالكلام، فإذا ما ألقيت الكلام إلى السامع قد يكون ذهنه مشغولا، وإلى أن ينتبه لكلماتك، قد تفوته جزئية من جزئيات الكلام فتنبه أنت إلى ما قلت فيتنبه ليستوعب كل ما قلت. إذن: فما المانع أن يكون الحق سبحانه وتعالى يريد أن يهيئ الأذهان ب ﴿ الم ﴾ حتى نسمع، ثم تأتي الآيات الحاملة للمنهج من بعد ذلك؟ وما المانع في أن نفهم أن النبي الأمي لا يعرف كيف ينطق بأسماء الحروف، فهو إن نطق فإنما يصدر ذلك بعد تعليم الله له؟ ولماذا لا نفهم منها أيضا أن وسائل الفهم لا تنتهي إلى أن تقوم الساعة؟ وإلا لو انتهت عند البشر لكان كلام الله قد حددت صفته بفهم البشر، وسبحانه قد شاء أن نغترف من معاني كلماته الكثير على مدى الأزمان، والقرآن كلام الله، وكلام الله صفته، وصفته لا تتناهى في الكمال، فإن عرفت كل مدلولاتها، تكون قد حددت الكمال بعلم، لكن القرآن لا نهاية له.

ولماذا لا نفهم أن القرآن الذي بين الحق سبحانه وتعالى أنه معجزة محمد صلى الله عليه وسلم هو من جنس ما نبغ فيه قومه فتحداهم من جنس ما برعوا فيه. ويقول لهم: هاتوا مثيلا له، ولن تستطيعوا، ولو أنه جاء بالقرآن على غير لغتهم في الكلام لقالوا: لا نستطيع لأن حروف هذه اللغة جديدة علينا. وقد شاء الحق أن يكون القرآن من نفس الحروف التي يتحدثون بها، وبالكلمات التي يعرفونها في لغتهم، وشاء سبحانه أن يجعل حروف وكلمات وآيات وأساليب القرآن غير قابلة للتقليد لأن المتكلم مختلف، وبهذا جاءت عظمة القرآن لا من ناحية المادة الخام التي تبنى منها الكلمات وهي الحروف بل بالمعاني والنسق الذي جاءت به الحروف، فالمادة الخام - وهي الحروف - واحدة. وصار القرآن معجزة لأن المتكلم هو الله. وضربنا من قبل المثل لنقرب ذلك إلى الأذهان: هب أننا نريد أن نقيس مهارة من ينسجون الأقمشة، ونضع أمام كل منهم مجموعة من غزل الصوف وغزل القطن، وغزل الحرير، وهذه مواد خام يختلف كل منها عن الآخر، ونقول لهم: كل واحد منكم عليه أن ينسج قطعة من كل صنف لنعرف الأفضل في النسج. وسنسمع من يقول: إن نتيجة نسج الصوف نسيج خشن، وناسج القطن سينسج قطعة تأخذ صفات القطن، وناسج الحرير سينسج لنا نسيجا ناعما، أما إن أعطينا كلا منهم نوعا واحدا من الغزل صوفا أو قطنا أو حريرا، هنا سنعرف من الأقدر على النسج. إذن: لو أن القرآن جاء بغير حروف العرب، وبغير كلمات العرب لقالوا: لو كانت عندنا هذه الحروف وهذه الكلمات لأتينا بأحسن منها. لذلك شاء الحق أن يأتي القرآن من جنس الحروف والكلمات. ولذلك تحوم العقول حول مقدمات آيات السور لتعرف شيئا من الإيناسات بعد أن تواصلت الثقافات، ولم تعد اللغة العربية متوافرة مثلما كان الحال أيام نزول القرآن، ومن كانوا يملكون هذه الملكة الصافية أيام الرسول صلى الله عليه وسلم سمعوا الحروف التي في أوائل بعض السور وقبلوها، والحق سبحانه يقول: ﴿ الر تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ [يونس: 1]. و ﴿ تلك ﴾: إشارة، ولا بد أن نفرق بين الإشارة والخطاب لأن البعض يخلط بينهما، فالإشارة هي التي تشير إلى شيء مثل قولنا: هذا وذا، أو تلك، وهذا: إشارة لمذكر، والمثال هو قولنا: هذا القلم جميل، أما قولنا: تلك الدواة جميلة، فهذه إشارة لمؤنثة. أما " الكاف ": فهي حرف للخطاب، فالتاء: إشارة للآيات وهي مؤنثة، و " الكاف " في ﴿ تلك ﴾: للمخاطب، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٦١