ولقائل أن يقول: إذا كان القرآن قد بني على الوصل، فكان المفروض أن آيات القرآن التي بدئت بحروف المعجم تنبني على طريقة المعجم. فلا نقول ألف لام ميم بل نقول " ألم ". ونقول لمثل هذا القائل: لا، إن حروف القرآن التي بدئت بها السور يجب أن ننطقها كما هي، فننطق " ألف " ثم نقف، ونقرأ " لام " ثم نقف، ونقرأ " ميم " ثم نقف لأن هذه الحروف جاءت هكذا، وعلمها جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا، حتى لا نقول رتابة كلام، بل إن لذلك حكمة عند الله سواء فهمتها أنت الآن أم لم تفهمها. وقد نزل القرآن على أمة عربية وظل أناس على كفرهم، وكانوا يعاندون رسول الله، ويترصدون لأي هفوة ليدخلوا منها للتشكيك في القرآن، ولكن أسمعتم رغم وجود الكافرين الصناديد أن واحدا قال: ما معنى ﴿ الم ﴾؟ لم يقل أحد من الكافرين ذلك، رغم حرصهم على أن يأتوا بمطاعن في القرآن، بل اعترفوا بمطلق بلاغة القرآن الكريم، مما يدل على أنهم فهموا شيئا من ﴿ الم ﴾ بملكتهم العربية، ولو لم يفهموا منها شيئا لطعنوا في القرآن. لكنهم لم يفعلوا. وأيضا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أهل حرص على الفهم، هل سمعت أن أحدا سأل رسول الله عن معنى ﴿ الم ﴾؟ لم يحدث، مما يدل على أنهم انفعلوا لقائلها بسر الله فيها، لا بفهم عقولهم لها لأن الوارد من عند الله لا يوجد له معارض من النفس، وإن لم يقبله العقل فهو لا يرفضه مع استراحة النفس له. وضربنا من قبل مثلا، فقلنا: إن آل فرعون حين استحيوا نساء بني إسرائيل وذبحوا الذكور، فماذا فعلت أم موسى؟ لقد أوحى لها الله ما جاء خبره في القرآن:
وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم...
[القصص: 7]. هات أي أم وقل لها: حين تخافين على وليدك فارميه في البحر، طبعا لن تنفذ أي أم هذا الاقتراح. كان من الممكن أن تحاول أم موسى إخفاء موسى بأي وسيلة. أما أن تلقيه في البحر مظنة أن تنجيه من الذبح، فهذا أمر غير متخيل، ولكن هذا أمر وارد من الرحمن بالإلهام والوحي، فلا يأتي الشيطان ليعارضه أبدا ولذلك طمأنها الحق سبحانه لأن الآيات وردت:
فإذا خفت عليه فألقيه في اليم...
[القصص: 7]. وكأن هناك تمهيدا يعلمها الاستعداد للأمر قبل أن يقع، وحين جاء الأمر:
إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم...
[طه: 38-39]. والكلام هنا كلام عجلة لأن هذا وقت التنفيذ، وطمأنها سبحانه بأن أصدر أوامره للبحر أن يقذفه إلى الشاطئ:
فليلقه اليم بالساحل...
[طه: 39]. وأصدر الحق أوامره إلى العدو أن يأخذه ليربيه:
فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له...
[طه: 39]. إذن: وارد الرحمن لا يأتي له رد أبدا. وكذلك يستقبل المؤمن ﴿ الم ﴾ بسر الله فيها، لا بفهم عقله. وأنا أنصح من يريد أن يقرأ القرآن تعبدا ألا يشغل نفسه بالمعنى، على خلاف من يقول: " اقرأ لتستنبط " لأن من يريد أن يستنبط هو الذي يقف عند اللفظ، ويطلب معناه. فإذا قرأت القرآن للتعبد فلتقرأه بسر الله فيه حتى لا تحدد القرآن بمعلوماتك فتأخذه أخذا ناقصا بنقصك البشرى لذلك في قراءة التعبد نأخذ اللفظ بسر الله في اللفظ فليس كل قارئ للقرآن متخصصا في اللغة ليعرف أصل كل كلمة، والكثير منا أمي، يريد التعبد بالقرآن، إذن - فليأخذ القرآن بسر الله فيه. والمثال من حياتنا - ولله المثل الأعلى - نجد الجيش يضع كلمة اسمها: " كلمة السر " ، وهذه الكلمة قد لا يكون لها معنى، ولكن لا أحد يتحرك أو يخرج أو ينضم إلى المعسكر إلا إذا قالها. ولتكن الكلمة " عدس " على سبيل المثال، ومن يعرفها يعرف أنها منجية من الموت، وساعة يعود مقاتل إلى كتيبته وينطق بكلمة " عدس " ، هنا يعرف حارس بوابة المعسكر أنه منهم، أما من لا يعرفها فقد يقتل. ومن يقولها، إنما ينطقها بسر من لقنه إياها. وقد فهم العربي القديم عن الحروف التوقيفية في أوائل بعض السور أشياء، وللغته فيها نظائر لأنه مثلا حين يقرأ الشعر، ويلتفت إلى شاعر يقول: