والثاني - إبطال ما ليس صالحا للعلة، فإن كان الحصر والإبطال معا قطعيين فهو دليل قطعي، وإن كانا ظنيين أو أحدهما ظنيا فهو دليل ظني. ومثال ما كان الحصر والإبطال فيه قطعيين قوله تعالى
أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون
الطور 35 لأن حصر أوصاف المحل في الأقسام الثلاثة قطعي لا شك فيه، لأنهم إما إن يخلقوا من غير شيء أو يخلقوا أنفسهم أو يخلقهم خالق غير أنفسهم. لا رابع ألبتة. وإبطال القسمين الأولين قطعي لا شك فيه فيتعين أن الثالث حق لا شك فيه. وقد حذف في الآية لظهوره. فدلالة هذا السبر والتقسيم على عبادة الله وحده قطعية لا شك فيها، وإن كان المثال بهذه الآية للقطعي من هذا الدليل إنما يصح على المراد به عند الجدليين دون الأصوليين، لأن المراد التمثيل للقطعي من هذا الدليل ولو بمعناه الأعم، والقطعي منه لا يمكن الاختلاف فيه. وأما الظني فإن العلماء يختلفون فيه لاختلاف ظنون المجتهدين عند نظرهم في المسائل. وقد اختلفوا في الربا في أشياء كثيرة كالتفاح ونحوه. والنورة ونحوها بسبب اختلافهم في إبطال ما ليس بصالح فيقول بعضهم هذا وصف يصح إبطاله، ويقول الآخر هو ليس بصالح فيلزم إبطاله كقولهم مثلا في حصر أوصاف البر الذي هو الأصل مثلا المحرم فيه الربا إذا أريد قياس الذرة عليه مثلا، أما أن يكون علة تحريم الربا في البر الكيل أو الطعم أو الاقتيات والادخار أوهما وغلبة العيش به أو المالية والملكية فيقول المالكي غير الاقتيات والادخار باطل، ويدعى أن دليل بطلانه عدم الاطراد الذي هو النقض. ويقول الحنفي والحنبلي غير الكيل من تلك الأوصاف باطل، والكيل هو العلة التي هي مناط الحكم، ويستدل على ذلك بأحاديث كحديث حيان بن عبيد الله عند الحاكم، وفيه بعد ذكر الستة التي يمنع فيها الربا. وكذلك كل ما يكال أو يوزن وبالحديث الصحيح الذي فيه. وكذلك الميزان كما قدمناه مستوفى في سورة البقرة في الكلام على آية الربا. ويقول الشافعي غير الطعم باطل، والعلة في تحريم الربا في البر الطعم، ويستدل بحديث معمر بن عبد الله عند مسلم " الطعام بالطعام مثلا بمثل " الحديث كما تقدم إيضاحه أيضا في البقرة. وهذا النوع من القياس الذي يختلف المجتهدون في العلة فيه هو المعروف عند أهل الأصول بمركب الأصل، وأشار إليه في مراقي السعود بقوله
وإن يكن لعلتين اختلفا تركب الأصل لدى من سلفا
وأشار إلى مركب الوصف بقوله
مركب الوصف إذا الخصم منع وجود ذا الوصف في الأصل المتبع
والقياس المركب بنوعة المذكورين لا تنهض الحجة به على الخصم خلافا لبعض الجدليين. وإلى كون رده بالنسبة للخصم المخالف هو المختار. أشار في مراقي السعود بقوله
ورده انتفى وقيل يقبل وفي التقدم خلاف ينقل
والضمير في قوله " ورده " راجع إلى المركب بنوعيه وهذا هو الحق. فلا تنهض الحجة بقول الشافعي إن العلة في تحريم الربا في البر الطعم - على الحنفي والحنبلي القائلين إنها الكيل كالعكس وهكذا. أما في حق المجتهد ومقلديه فظنه المذكور حجة ناهضة له ولمقلديه. واعلم أن لحصر أوصاف المحل طرقا. منها أن يكون الحصر عقليا كما قدمنا في آية
أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون
الطور 35. وكقولك إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عالما بهذا الأمر الذي تدعو الناس إليه أو غير عالم به كما يأتي إيضاحه. فأوصاف المحل محصورة في الأمرين المذكورين إذا لا ثالث ألبتة. أنه لا واسطة بين الشيء ونقيضه كما هو معروف. ومنها أن يدل على الحصر المذكور إجماع. ومثل له بعض الأصوليين بإجبار البكر البالغة على النكاح عند من يقول به. فإن علة الإجبار إما الجهل بالمصالح، وإما البكارة فإن قال المعترض أين دليل حصر الأوصاف في الأمرين؟ أجيب - بأنه الإجماع على عدم التعليل بغيرهما، فلو ادعى المستدل حصر أوصاف المحل، فقال المعترض أين دليل الحصر؟ فقال المستدل بحثت بحثا تاما عن أوصاف المحل فلم أجد غير ما ذكرت، أو قال الأصل عدم غير ما ذكرت، فالصحيح أن هذا يكفيه في إثبات الحصر. فإن قال المعترض أنا أعلم وصفا زائدا لم تذكره. قيل له بينه، فإن لم يبينه سقط اعتراضه. وإن بين وصفا زائدا على الأوصاف التي ذكرها المستدل بطل حصر المستدل بمجرد إبداء المعترض الوصف الزائد. إلا أن يبين المستدل أنه لا يصلح العلية فيكون إذا وجوده وعدمه سواء. وقول من قال إنه لا يكفيه قوله بحثت فلم أجد غير هذا - خلاف التحقيق. وأشار في مراقي السعود إلى هذا المسلك من مسالك العلة بقوله