الأنعام 143 الآيتين، فكأن الله يقول للذين حرموا بعض الإناث كالبحائر والسوائب دون بعضها، وحرموا بعض الذكور كالحامي دون بعضها لا يخلو تحريمكم لبعض ما ذكر دون بعضه من أن يكون معللا بعلة معقولة أو تعبديا. وعلى أنه معلل بعلة فإما أن تكون العلة في المحرم من الإناث الأنوثة، ومن الذكور الذكورة. أو تكون العلة فيهما معا التخلق في الرحم، واشتمالها عليهما، هذه هي الأقسام التي يمكن ادعاء إناطة الحكم بها. ثم بعد حصر الأوصاف بهذا التقسيم نرجع إلى سبر الأقسام المذكورة. أي اختبارها ليتميز الصحيح من الباطل فنجدها كلها باطلة بالسبر الصحيح، لأن كون العلة الذكورة يقتضي تحريم كل ذكر وأنتم تحلون بعض الذكور، فدل ذلك على بطلان التعليل بالذكورة لقادح النقض الذي هو عدم الاطراد. وكون العلة الأنثوية يقتضي تحريم كل أنثى كما ذكرنا فيما قبله. وكون العلة اشتمال الرحم عليهما يقتضي تحريم الجمع. وإلى هذا الإبطال أشار تعالى بقوله
قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين
الأنعام 143 أي فلو كانت العلة الذكورة لحرم كل ذكر. ولو كانت الأنوثة لحرمت كل أنثى. ولو كانت اشتمال الرحم عليهما لحرم الجميع. وكون ذلك تعبديا يقتضي أن الله وصاكم به بلا واسطة. إذ لم يأتكم منه رسول بذلك. فدل ذلك على أنه باطل أيضا، وأشار تعالى إلى بطلانه بقوله
أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهذا
الأنعام 144 ثم بين أن ذلك التحريم بغير دليل من أشنع الظلم، وأنه كذب مفترى وإضلال بقوله
فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين
الأنعام 144 ثم أكد عدم التحريم في ذلك بقوله
قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به
الأنعام 145. والحاصل - أن إبطال جميع الأوصاف المذكورة دليل على بطلان الحكم المذكور كما أوضحنا. ومن أمثلة السبر والتقسيم في القرآن قوله تعالى
أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون
الطور 35 فكأنه تعالى يقول لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح. الأولى - أن يكونوا خلقوا من غير شيء أي بدون خالق أصلا. الثانية - أن يكونوا خلقوا أنفسهم. الثالثة - أن يكون خلقهم خالق غير أنفسهم. ولا شك أن القسمين الأولين باطلان، وبطلانهما ضروري كما ترى، فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه لوضوحه. والثالث - هو الحق الذي لا شك فيه، وهو جل وعلا خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا. واعلم أن المنطقيين والأصوليين والجدليين كل منهم يستعملون هذ الدليل في غرض ليس هو غرض الآخر من استعماله، إلا أن استعماله عند الجدليين أعم من استعماله عند المنطقيين والأصولين. المسألة الثانية اعلم أن مقصود الجدليين من هذا الدليل معرفة الصحيح والباطل من أوصاف محل النزاع، وهو عندكم يتركب من أمرين الأول - حصر أوصاف المحل. والثاني - إبطال الباطل منها وتصحيح الصحيح مطلقا، وقد تكون باطلة كلها فيتحقق بطلان الحكم المستند إليها، كآية
قل ءآلذكرين
الأنعام143 المتقدمة. وقد يكون بعضها باطلا وبعضها صحيحا كآية " مريم والبقرة، والطور " التي قدمنا إيضاح هذا الدليل في كل واحدة منها. وهذا الدليل أعم نفعا، وأكثر فائدة على طريق الجدليين منه على طريق الأصوليين والمنطقيين. المسألة الثالثة اعلم أن السبر والتقسيم عند الأصوليين يستعمل في شيء خاص، وهو استنباط علة الحكم الشرعي بمسلك السبر والتقسيم. وضابط هذا المسلك عند الأصوليين أمران الأول - هو حصر أوصاف الأصل المقيس عليه بطريق من طرق الحصر التي سنذكر بعضها إن شاء الله تعالى. والثاني - إبطال ما ليس صالحا للعلة بطريق من طرق الإبطال التي سنذكر أيضا بعضها إن شاء الله تعالى. وزاد بعضهم أمرا ثالثا - وهو الإجماع على أن حكم الأصل معلل في الجملة لا تعبدي، والجمهور لا يشترطون هذا الأخير، والحاصل - أن هذا الدليل يتركب عند الأصوليين من أمرين. الأول - حصر أوصاف المحل.