يلق أثاما
الفرقان 68 عند من يقول إن معناه يلق مجازاة أثامه في الدنيا، ويشبه هذا المعنى قوله تعالى
إنما يأكلون في بطونهم نارا
النساء 10، وقوله
أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار
البقرة 174. فأطلق النار على ما أكلوا في بطونهم في الدنيا من المال الحرام لأنها جزاؤه. كما أطلق الغي والأثام على العذاب لأنه جزاؤهما. ومنها - أن الغي في الآية الخسران والحصول في الورطات. وممن روي عنه هذا القول ابن عباس، وابن زيد. وروي عن ابن زيد أيضا " غيا " أي شرا أو ضلالا أو خيبة. وقال بعضهم إن المراد بقوله " غيا " في الآية واد في جهنم من قيح، لأنه يسيل فيه قيح أهل النار وصديدهم، وهو بعيد القعر خبيث الطعم. وممن قال بهذا ابن مسعود، والبراء بن عازب. وروي عن عائشة، وشفي بن ماتع. وجاء حديث مرفوع بمقتضى هذا القول من حديث أبي أمامة وابن عباس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
" إن غيا واد في جهنم "
كما في حديث ابن عباس. وفي حديث أبي أمامة أن غيا، وأثاما نهران في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار. والظاهر أنه لم يصح في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية حديث أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي الذي أشرنا له آنفا، ثم قال هذا حديث غريب ورفعه منكر. وقيل إن المعنى فسوف يلقون غيا أي ضلالا في الآخرة عن طريق الجنة، ذكره الزمخشري. وفيه أقوال أخر، ومدار جميع الأقوال في ذلك على شيء واحد، وهو أن أولئك الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات سوف يلقون يوم القيامة عذابا عظيما. فإذا عرفت كلام العلماء في هذه الآية الكريمة، وأن الله تعالى فيها توعد من أضاع الصلاة واتبع الشهوات بالغي الذي هو الشر العظيم والعذاب الأليم. فاعلم أنه أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله في ذم الذين يضيعون الصلاة ولا يحافظون عليها وتهديدهم
فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يرآءون ويمنعون الماعون
الماعون 4-7، وقوله في ذم المنافقين
وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا
النساء 142، وقوله فيهم أيضا
وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون
التوبة 54. وأشار في مواضع كثيرة إلى ذم الذين يتبعون الشهوات وتهديدهم، كقوله تعالى
والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم
محمد 12، وقوله تعالى
ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون
الحجر 3، وقوله تعالى
كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ويل يومئذ للمكذبين
المرسلات 47 إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة أن الخلف الطيبين لا يضيعون الصلاة، ولا يتبعون الشهوات، وقد أشار تعالى إلى هذا في مواضع من كتابه. كقوله تعالى
قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون
المؤمنون 1-2 - إلى قوله -
والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
المؤمنون 9-11، إلى غير ذلك من الآيات. وكقوله
وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى
النازعات 40-41 إلى غير ذلك من الآيات. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسالة الأولى - أجمع العلماء على أن تارك الصلاة، الجاحد لوجوبها كافر، وأنه يقتل كفرا ما لم يتب. والظاهر أن ترك ما لا تصح الصلاة دونه كالوضوء وغسل الجنابة كتركها. وجحد وجوبه كجحد وجوبها. المسالة الثانية - اختلف العلماء في تارك صلاة عمدا تهاونا وتكاسلا مع اعترافه بوجوبها، هل هو كافر أو مسلم. وهل يقتل كفرا أو حدا أو لا يقتل. فذهب بعض أهل العلم إلى أنه كافر مرتد يستتاب، فإن تاب فذلك. وإن لم يتب قتل كفرا. وممن قال بهذا الإمام أحمد رحمه الله في أصح الروايتين. وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.