قال حدثنا أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في حجته فقال " ذبحت قبل أن أرمي فأومأ بيده قال ولا حرج، قال حلقت قبل أن أذبح. فأومأ بيده ولا حرج ". ومن أمثلة الفتيا بإشارة اليد ما رواه البخاري في هذا الباب المذكور آنفا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
" يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرج "
قيل يا رسول الله، وما الهرج! فقال " هكذا " بيده فحرفها كأنه يريد القتل اه فجعل صلى الله عليه وسلم إشارته بيده كنطقه بأن المراد بالهرج القتل. والحديث السادس - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إشارة المحرم إلى الصيد لينبه إليه المحل كأمره له باصطياده بالنطق، وقد قدمنا هذا الحديث في سورة " المائدة ". والحديث السابع - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم الإشارة إلى الركن في طوافه كاستلامه وتقبيله بالفعل. والحديث الثامن - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إشارته بأصابعه كعقد التسعين. لبيان القدر الذي فتح من ردم يأجوج ومأجوج كالنطق بذلك. والحديث التاسع - فيه أنه جعل وضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر. مشيرا بذلك لقلة زمن الساعة التي يجاب فيها الدعاء بالخير يوم الجمعة. أو مشيرا بذلك لوقتها عند من قال إن وضع الأنملة في وسط الكف يراد به الإشارة إلى أن ساعة الجمعة في وسط يوم الجمعة. ووضعها على الخنصر يراد به أنها في آخر النهار، لأن الخنصر آخر أصابع الكف كالنطق بذلك. وذكر ابن حجر عن بعض أهل العلم. أن هذه الإشارة باليد لساعة الجمعة من فعل بشر بن المفضل راوي الحديث عن سلمة بن علقمة كما تقدم في إسناد الحديث. وعليه ففي سياق هذا الحديث عند البخاري إدراج. والحديث العاشر - جعل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إشارة الجارية التي قتلها اليهودي كنطقها بأن اليهودي قتلها، وأن من سمى لها غيره لم يكن هو الذي قتلها. وقد قدمنا هذا الحديث في سورة " بني إسرائيل " وبينا هنالك أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان جعل إشارة الجارية كنطقها لم يقتل اليهودي بإشارة الجارية القائمة مقام نطقها بمن قتلها، ولكنه اعترف بأنه قتلها فثبت عليه القتل باعترافه واقتص لها منه بذلك. والحديث الحادي عشر - فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
" الفتنة من هنا " وأشار إلى المشرق، فجعل إشارته إلى المشرق كنطقه بذلك "
والحديث الثاني عشر - فيه أنه صلى الله عليه وسلم أومأ إلى المشرق فقال
" إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم "
فجعل إشارته بيده إلى المشرق كنطقه بلفظ المشرق. والحديث الثالث عشر - جعل فيه الإشارة باليد إلى الفرق بين الفجر الكاذب والفجر الصادق بذلك. والحديث الرابع عشر -
" قال فيه صلى الله عليه وسلم " فهو يوسعها ولا تتسع "
ويشير بأصبعه إلى حلقه، فجعل إشارته إلى أن درع الحديد المضروب بها المثل للبخيل ثابتة على حلقه لا تنزل عنه ولا تستر عورته ولا بدنه كالنطق بذلك. فهذه أربعة عشر حديثا أوردها البخاري رحمه الله في الباب المذكور، وسقناها هنا، وبينا وجه الدلالة على أن الإشارة كالنطق في كل واحد منها، مع ما قدمنا من الأحاديث الدالة على ذلك زيادة على ما ذكره البخاري هنا. وقد ذكر البخاري رحمه الله في أول باب اللعان خمسة أحاديث أيضا كل واحد منها فيه الدلالة على أن الإشارة كالنطق ولم نذكرها هنا لأن فيما ذكرنا كفاية. وقال ابن حجر في الفتح في آخر كلامه على أحاديث الباب المذكورة. قال ابن بطال ذهب الجمهور إلى أن الإشارة المفهمة تنزل منزلة النطق. وخالفه الحنفية في بعض ذلك. ولعل البخاري رد عليهم بهذه الأحاديث التي جعل فيها النبي صلى الله عليه وسلم الإشارة قائمة مقام النطق. وإذا جازت الإشارة في أحكام مختلفة في الديانة فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز. وقال ابن المنير أراد البخاري أن الإشارة بالطلاق وغيره من الأخرس وغيره التي يفهم منها الأصل والعدد نافذة كاللفظ اه - ويظهر لي أن البخاري أورد هذه الترجمة وأحاديثها توطئة لما يذكره من البحث في الباب الذي يليه، مع من فرق بين لعان الأخرس، وطلاقه، والله أعلم. فهذه الأحاديث وأمثالها هي حجة من قال إن الإشارة المفهمة تقوم مقام اللفظ. واحتج من قال بأن الإشارة ليست كاللفظ بأن القرآن العظيم دل على ذلك، وذلك في قوله تعالى في الآية التي نحن بصددها ﴿ فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾ فإن في هذه الآية التصريح بنذرها الإمساك عن كلام كل إنسي، مع أنه تعالى قال