قال سفيان بن عيينة أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم. ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم. قال فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه فيها. رواه عنه ابن جرير وغيره. وذكر ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية بإسناده عن الحسن رحمه الله قال إن عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى استغفر لي، أنت خير مني. فقال الآخر استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى أنت خير مني، سلمت على نفسي وسلم الله عليك. وقد نقل القرطبي هذا الكلام الذي رواه ابن جرير عن الحسن البصري رحمه الله تعالى. ثم قال انتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم - فضل عيسى بأن قال إدلاله في التسليم على نفسه ومكانته من الله تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكي في محكم التنزيل أعظم في المنزلة من أن يسلم عليه، قال ابن عطية ولكل وجه. انتهى كلام القرطبي. والظاهر أن سلام الله على يحيى في قوله ﴿ وسلام عليه يوم ولد ﴾ الآية أعظم من سلام عيسى على نفسه في قوله
والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا
مريم 33 كما هو ظاهر. تنبيه الفتحة في قوله ﴿ يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ﴾ يحتمل أن تكون في الظروف الثلاثة فتحة إعراب نصبا على الظرفية. ويحتمل أن تكون فتحة بناء لجواز البناء في نحو ذلك، والأجود أن تكون فتحة " يوم ولد " فتحة بناء، وفتحة ﴿ ويوم يموت ويوم يبعث ﴾ فتحة نصب، لأن بناء ما قبل الفعل الماضي أجود من إعرابه وإعراب ما قبل المضارع، والجملة الاسمية أجود عن بنائه، كما عقده في الخلاصة بقوله
وابن أو أعرب ما كإذ قد أجريا واختر بنا متلو فعل بنيا وقبل فعل معرب أو مبتدأ أعرب ومن بنى فلن يفندا
والأحوال في مثل هذا أربعة الأول أن يضاف الظرف المذكور إلى جملة فعلية فعلها مبني بناء أصليا وهو الماضي، كقول نابغة ذبيان
على حين عاتبت المشيب على الصبا فقلت ألما أصح والشيب وازع
فبناء الظرف في مثل ذلك أجود، وإعرابه جائز. الثاني - أن يضاف الظرف المذكور إلى جملة فعلية فعلها مبني بناء عاوضا، كالمضارع المبني لاتصاله بنون النسوة. كقول الآخر
لأجتذبن منهن قلبي تحلما على حين يستصبين كل حليم
وحكم هذا كما قبله. الثالث - أن يضاف إلى جملة فعلية فعلها معرب. كقول أبي صخر الهذلي
إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر
فإعراب مثل هذا أجود، وبناؤه جائز. الرابع - أن يضاف الظرف المذكور إلى جملة اسمية. كقول الشاعر
ألم تعلمي يا عمرك الله أنني كريم على حين الكرام قليل
وقول الآخر
تذكر ما تذكر من سليمى على حين التواصل غير دان
وحكم هذا كما قبله. واعلم أن هذه الأوجه إنما هي في الظرف المبهم الماضي. وأما إن كان الظرف المبهم مستقبل المعنى، كقوله ﴿ ويوم يموت ويوم يبعث ﴾ فإنه لا يضاف إلا إلى الجمل الفعلية دون الاسمية. فتكون فيه الأوجه الثلاثة المذكورة دون الرابع. وأجاز ابن مالك إضافته إلى الجملة الاسمية بقلة، كقوله تعالى
يوم هم على النار يفتنون
الذاريات 13 وقول سواد بن قارب
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
لأن الظرف في الآية والبيت المذكورين مستقبل لا ماض. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ ويوم يبعث حيا ﴾ قال أبو حيان فيه تنبيه على كونه من الشهداء، لقوله تعالى فيهم
بل أحياء عند ربهم يرزقون
آل عمران 169. قال مقيده عفا الله عنه وجه هذا الاستنباط أن الحال قيد لعاملها، وصف لصاحبها. وعليه فبعثه مقيد بكونه حيا، وتلك حياة الشهداء، وليس بظاهر كل الظهور. والله تعالى أعلم. هذا هو حاصل ما ذكره الله تعالى في هذه السورة الكريمة من صفات يحيى، وذكر بعض صفاته في غير هذا الموضع، كقوله في " آل عمران "