تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي "

متفق عليه. أما أقوال الأئمة في هذه المسألة فمذهب الشافعي فيها هو كراهة علو الإمام على المأموم. وكذلك عكسه إلا إذا كان ذلك لغرض صحيح محتاج إليه، كارتفاع الإمام ليعلم الجاهلين الصلاة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته على المنبر، وبين أنه فعل ذلك لقصد التعليم، وكارتفاع المأموم ليبلغ غير من المأمومين تكبيرات الإمام فإن كان ارتفاع أحدهما لنحو هذا الغرض استحب له الارتفاع لتحصيل الغرض المذكور. قال النووي في شرح المهذب هذا مذهبنا، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعنه رواية. أنه يكره الارتفاع مطلقا، وبه قال مالك والأوزاعي. وحكى الشيخ أبو حامد عن الأوزاعي أنه قال تبطل به الصلاة. وأما مذهب مالك في المسألة ففيه تفصيل بين علو الإمام على المأموم وعكسه. فعلو المأموم جائز عنده. وقد رجع إلى كراهته. وبقي بعض أصحابه على قوله بجوازه. وعلو الإمام لا يعجبه. وفي المدونة قال مالك لا بأس في غير الجمعة أن يصلي الرجل بصلاة الإمام على ظهر المسجد والإمام في داخل المسجد. ثم كرهه. وأخذ ابن القاسم بقوله الأول. انتهى بواسطة نقل الموق في الكلام على قول خليل بن إسحاق في مختصره عاطفا على ما يجوز. وعلو مأموم ولو بسطح. وفي المدونة أيضا قال مالك إذا صلى الإمام بقوم على ظهر المسجد والناس خلفه أسفل من ذلك فلا يعجبني. انتهى بواسطة نقل المواق أيضا. وقوله " يعجبني " ظاهر في الكراهة. وحمله بعضهم على المنع. وفي وجوب إعادة الصلاة قولان. ومحل الخلاف ما لم يقصد المرتفع بارتفاعه التكبر على الناس، فإن قصد ذلك بطلت صلاته عندهم إماما كان أو مأموما. وهذه المسألة ذكرها خليل بن إسحاق في مختصره في قوله وعلو مأموم ولو بسطح لا عكسه، وبطلب بقصد إمام ومأموم به الكبر إلا بكشبر اه. وقوله " إلا بكشبر " يعني إلا أن يكون الارتفاع بكشبر " ، ونحو المنبر عظم الذراع عندهم. ومحل جواز الارتفاع اليسير المذكور ما لم يقصد به الكبر. فقوله " إلا بكثير " مستثنى من قوله " لا عكسه " لا من مسألة قصده الكبر فالصلاة فيها باطلة عندهم مطلقا قال المواق في شرحه لكلام خليل المذكور من المدونة كره مالك وغيره أن يصلي الإمام على شيء أرفع مما يصلي عليه من خلفه، مثل الدكان يكون في المحراب ونحوه. قال ابن القاسم فإن فعل أعادوا أبدا، لأنهم يعبثون إلا أن يكون ذلك دكانا يسير الارتفاع مثل ما كان عندنا بمصر فتجزئهم الصلاة. قال أبو محمد مثل الشبر وعظم الذراع - إلى أن قال وانظر إذا صلى المقتدي كذلك أعني على موضع مرتفع قصدا إلى التكبر عن مساواة الإمام.

قال ابن بشير صلاته أيضا باطلة. اه محل الغرض منه. وقول ابن القاسم " لأنهم يعبثون " يعني برفع ذلك البنيان الذي يصلي عليه الإمام، كما قال تعالى عن نبيه هود مخاطبا لقومه عاد

أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون

الشعراء 128-129 وإذا ارتفعت مع الإمام طائفة من المصلين سائر الناس، أعني ليست من أشراف الناس وأعيانهم، ففي نفي الكراهة بذلك خلاف عندهم وإليه أشار خليل في مختصره بقوله وهل يجوز إن كان مع الإمام طائفة كغيرهم تردد. هذا هو حاصل مذهب مالك في هذه المسألة. وأما مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة فهو أن ارتفاع كل من الإمام والمأموم على الآخر مكروه. وقال الطحاوي لا يكره علو المأموم على الإمام. ومحل الكراهة عند الحنفية في الارتفاع في اليسير، ولا كراهة عندهم في اليسير وقدر الارتفاع الموجب للكراهة عندهم قدر قامة، ولا بأس بما دونها، ذكره الطحاوي، وهو مروي عن أبي يوسف وقيل هو مقدر بقدر ما يقع عليه الامتياز. وقيل مقدر بقدر ذراع اعتبارا بالسترة. قال صاحب تبيين الحقائق. وعليه الاعتماد. وإن كان مع الإمام جماعة في مكانه المرتفع، وبقية المأمومين أسفل منهم فلا يكره ذلك على الصحيح عندهم - انتهى بمعناه تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق. وأما مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة - فهو التفصيل بين علو الإمام على المأموم، فيكره على المشهور من مذهب أحمد. وبين علو المأموم الإمام فيجوز. قال ابن قدامة في المغني المشهور في المذهب أنه يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين، سواء أراد تعليمهم الصلاة، أو لم يرد. وهو قول مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي. وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكره - اه. محل الغرض منه. وقال في المغني أيضا فإن صلى الإمام في مكان أعلى من المأمومين فقال ابن حامد لا تصح صلاتهم. وهو قول الأوزاعي، لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه. وقال القاضي لا تبطل، وهو قول أصحاب الرأي - اه محل الغرض منه. فإذا عرفت مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة - فاعلم أن حجة من كره علو الإمام على المأموم أو منعه - هي ما قدمنا في قصة جبذ أبي مسعود لحذيفة لما أم الناس، وقام يصلي على دكان. الحديث المتقدم. وقد بينا أقوال أهل العلم في الحديث المذكور. وحجة من أجاز ذلك للتعليم حديث سهل بن سعد المتفق عليه في قصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وجواب المخالفين عن صلاته على المنبر. بأنه ارتفاع يسير، وذلك لا بأس به، أو بأنه منسوخ كما تقدم في كلام القرطبي وحجة من أجاز علو المأموم علىالإمام ما روي عن أبي هريرة أنه صلى بصلاة الإمام وهو على سطح المسجد.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨٦٥