وترتيبه كونها خلقت من الشياطين بالفاء على النهي، يدل على أنه هو علته كما تقرر في مبحث مسلك النص، ومسلك الإيماء، والتنبيه. وقال جماعة من أهل العلم معنى كونها " خلقت من الشياطين " أنها ربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطع صلاته، أو أذاه، أو تشويش خاطره. وقد قدمنا أن كل عات متمرد تسميه العرب شيطانا. والإبل إذا نفرت فهي عاتية متمردة، فتسميتها باسم الشيطان مطابق للغة العرب. والعرب تقول خلق من كذا للمبالغة، كما يقولون خلق هذا من الكرم. ومنه قوله
خلق الإنسان من عجل
الأنبياء 37 على أصح التفسرين. وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في معاطنها، وبيم غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ. قال الشوكاني في نيل الأوطار ويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ
" لا تصلوا في أعطان أبل فإنها خلقت من الجن، وألا ترون إلى عيوناها وهيئاتها إذا نفرت ".
وقد يحتمل أن علة النهي أن يجاء بها إلى معاطنها بعد شروعه في الصلاة فيقطعها، أو يستمر فيها مع شغل خاطره - اه كلام الشوكاني. ومن هذا التعليل المنصوص فهم العلماء القائلون بعدم بطلانها أنه لما كانت علة النهي ما ذكر دل ذلك على أن الصلاة إذا فعلها تامة أنها غير باطلة. وقيل العلة أن أصحاب الإبل يتغوطون في مباركها بخلاف أهل الغنم. وقيل العلة أن الناقة تحيض، والجمل يمني. وكلها تعليلات لا معول عليها، والصحيح التعليل المنصوص عنه صلى الله عليه وسلم بأنها خلقت من الشياطين. والعلم عند الله تعالى. تنبيه فإن قيل ما حكم الصلاة في مبارك البقر؟ فالجواب أن أكثر العلماء يقولون إنها كمرابض الغنم. ولو قيل إنها كمرابض الإبل لكان لذلك وجه. قال ابن حجر في الفتح الباري وقع في مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابض الغنم ولا يصلي في مرابض الإبل والبقر اه. قال وسنده ضعيف. فلو ثبت لأفاد أن حكم البقر حكم الإبل. بخلاف ما ذكره ابن المنذر أن البقر في ذلك كالغنم.اه كلام ابن حجر. وما يقوله أبو داود رحمه الله من أن العمل بالحديث الضعيف خير من العمل بالرأي له وجه وجيه. والعلم عند الله تعالى. وأما الصلاة في المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، وفوق ظهر بيت الله الحرام فدليل النهي عنها هو ما تقدم من حديث زيد بن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم، وقد قدمناه ما في إسناده من الكلام.
وأما الصلاة إلى جدار مرحاض عليه نجاسة، فلما روي من النهي عن ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم. قال العلامة الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار وأما الصلاة إلى جدار مرحاض فلحديث ابن عباس في سبعة من الصحابة بلفظ " نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حش " أخرجه ابن عدي. قال العراقي ولم يصح إسناده. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الله بن عمرو قال لا يصلى إلى الحش. وعن علي قال لا يصلى تجاه حش. وعن إبراهيم كانوا يكرهون ثلاثة أشياء - فذكر منها الحش. وفي كراهة استقباله خلاف بين العلماء اه كلام الشوكاني. والمراد بالحش - بضم الحاء وفتحها - بيت الخلاء. وأما الصلاة في الكنيسة والبيعة - والمراد بهما متعبدات اليهود والنصارى - فقد كرهها جماعة من أهل العلم. قال النووي في شرح المهذب حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، ومالك رضي الله عنهم. قال الشوكاني وقد رويت الكراهة أيضا عن الحسن. قال مقيده عفا الله عنه الظاهر أن ما روي من ذلك عن عمر وابن عباس ليس على إطلاقه، وإنما هو في الكنائس والبيع التي فيها الصور خاصة. ومما يدل على ذلك ما ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه قال باب الصلاة في البيعة وقال عمر رضي الله عنه " إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور ". وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل. وقال ابن حجر في الفتح " إن الأثر الذي علقه البخاري عن عمر وصله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر. والأثر الذي علق عن ابن عباس وصله البغوي في الجعديات اه. ومعلوم أن البخاري لا يعلق بصيغة الجزم إلا ما هو ثابت عنده. ورخص في الصلاة في الكنيسة والبيعة جماعة من أهل العلم، منهم أبو موسى، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وابن سرين، والنخعي والأوزاعي، وغيرهم. قال العلامة الشوكاني رحمه الله. ولعل وجه الكراهة هو ما تقدم من اتخاذ قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد، لأنه يصير جميع البيع والكنائس مظنة لذلك. قال مقيده عفا الله عنه ويحتمل أن تكون العلة أن الكنيسة والبيعة موضع يعصى الله فيه ويكفر به فيه، فهي بقعة سخط وغضب. وأما النهي عن الصلاة إلى التماثيل فدليله ثابت في الصحيح. فمن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة - قال باب إن صلى في ثوب مصلب، أو تصاوير.