15.95
بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه كفى نبيه صلى الله عليه وسلم المستهزئين الذين كانوا يستهزؤون به وهم قوم من قريش. وذكر في مواضع أخر أنه كفاه غيرهم.كقوله في أهل الكتاب
فسيكفيكهم الله
البقرة 137 الآية، وقوله
أليس الله بكاف عبده
الزمر 36 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والمستهزؤون المذكورون هم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس السهمي والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب. والآفات التي كانت سبب هلاكهم مشهورة في التاريخ.
15.97
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يعلم أن نبيه صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بما يقول الكفار فيه من الطعن والتكذيب، والطعن في القرآن. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله
قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون
الأنعام 33، وقوله
فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جآء معه ملك
هود 12، وقوله
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
الكهف 6 وقوله
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
الشعراء 3 إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا شيئا من ذلك من الأنعام.
15.98
أمر جل علا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بأمرين أحدهما - قوله ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ ، والثاني - قوله ﴿ وكن من الساجدين ﴾. وقد كرر تعالى في كتابه الأمر بالشيئين المذكورين في هذه الآية الكريمة، كقوله في الأول
فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا
النصر 3، وقوله
فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها
طه 130، وقوله
فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار
غافر 55 والآيات بمثل ذلك كثيرة. وأصل التسبيح في اللغة الإبعاد عن السوء. ومعناه في عرف الشرع تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله. ومعنى سبح نزه ربك جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله. وقوله ﴿ بحمد ربك ﴾ أي في حال كونك متلبسا بحمد ربك، أي بالثناء عليه بجميع ما هو أهله من صفات الكمال والجلال، لأن لفظة ﴿ بحمد ربك ﴾ أضيفت إلى معرفة فتعم جميع المحامد من كل وصف كمال وجلال ثابت لله جل وعلا. فتستغرق الآية الكريمة الثناء بكل كمال، لأن الكمال يكون بأمرين أحدهما - التخلي عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، وهذا معنى التسبيح. والثاني - التحلي بالفضائل والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد، فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
" كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم "
، وكقوله في الثاني وهو السجود
كلا لا تطعه واسجد واقترب
العلق 19 وقوله
واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون
فصلت 37 ويكثر في القرآن العظيم إطلاق التسبيح على الصلاة. وقالت جماعة من العلماء المراد بقوله ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ أي صل له، وعليه فقوله ﴿ وكن من الساجدين ﴾ من عطف الخاص على العام والصلاة تتضمن غاية التنزيه ومنتهى التقديس. وعلى كل حال فالمراد بقوله ﴿ وكن من الساجدين ﴾ أي من المصلين، سواء قلنا إن المراد بالتسبيح الصلاة، أو أعم منها من تنزيه الله عما لا يليق به. ولأجل كون المراد بالسجود الصلاة لم يكن هذا الموضع محل سجدة عند جمهور العلماء. خلافا لمن زعم أنه موضع سجود. قال القرطبي في تفسيره قال ابن العربي ظن بعض الناس أن المراد بالأمر هنا السجود نفسه، فرأى هذا الموضع محل سجود في القرآن، وقد شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت المقدس طهره الله يسجد في هذا الموضع، وسجدت معه فيه، ولم يره جماهير العلماء. قلت قد ذكر أبو بكر النقاش أن ههنا سجدة عند أبي حذيفة ويمان بن رئاب ورأى أنها واجبة - انتهى كلام القرطبي.