تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15.17-18

صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه حفظ السماء من كل شيطان رجيم وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله

وحفظا من كل شيطان مارد

الصافات 7 وقوله

وجعلناها رجوما للشياطين

الملك 5 وقوله

فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا

الجن 9 وقوله

إنهم عن السمع لمعزولون

الشعراء 212 وقوله

أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين

الطور 38 إلى غير ذلك من الآيات. والاستثناء في هذه الآية الكريمة في قوله ﴿ إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ﴾ الحجر 18. قال بعض العلماء هو استثناء منقطع وجزم به الفخر الرازي أي لكن من استرق السمع أي الخطفة اليسيرة فإنه يتبعه شهاب فيحرقه كقوله تعالى

ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب

الصافات 8-10 وقيل الاستثناء متصل أي حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئا من الوحي وغيره إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها من أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحي، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئا لقوله تعالى

إنهم عن السمع لمعزولون

الشعراء 212 قاله القرطبي، ونظيره

إلا من خطف

الصافات 10 الآية فإنه استثناء من الواو في قوله تعالى

لا يسمعون إلى الملإ

الصافات 8 الآية. تنبيه يؤخذ من هذه الآيات التي ذكرنا أن كل ما يتمشدق به اصحاب الأقمار الصناعية من أنهم سيصلون إلى السماء ويبنون على القمر، كله كذب وشقشقة لا طائل تحتها ومن اليقين الذي لا شك فيه أنهم سيقفون عند حدهم ويرجعون خاسئين أذلاء عاجزين

ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير

الملك 4 ووجه دلالة الآيات المذكورة على ذلك أن اللسان العربي الذي نزل به القرآن يطلق اسم الشيطان على كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب ومنه قوله تعالى

وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم

البقرة 14 الآية، وقوله

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا

الأنعام 112 ومنه قوله صلى الله عليه وسلم

" الكلب الأسود شيطان "

وقول جرير

أيام يدعونني الشيطان من غزلي وكن يهوينني إذ كنت شيطانا

ولا شك أن أصحاب الأقمار الصناعية يدخلون في اسم الشياطين دخولا أوليا لعتوهم وتمردهم. وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى صرح بحفظ السماء من كل شيطان كائنا من كان في عدة آيات من كتابه كقوله هنا ﴿ وحفظناها من كل شيطان رجيم ﴾ وقوله

وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم

فصلت 12 إلى غير ذلك من الآيات. وصرح بأن من أراد استراق السمع أتبعه شهاب راصد له في مواضع أخر كقوله

فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا

الجن 9 وقوله ﴿ إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ﴾ الحجر 18 وقوله

إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب

الصافات 10 وقال

إنهم عن السمع لمعزولون

الشعراء 212 وقال

أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين

الطور 38 وهو تعجيز دال على عجز البشر عن ذلك عجزا مطلقا، وقال

أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب

ص 10-11 فقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ فليرتقوا في الأسباب ﴾ ، أي فليصعدوا في أسباب السموات التي توصل إليها. وصيغة الأمر في قوله ﴿ فليرتقوا ﴾ للتعجيز وإيرادها للتعجيز دليل على عجز البشر عن ذلك عجزا مطلقا. وقوله جل وعلا بعد ذلك التعجيز ﴿ جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ﴾ يفهم منه أنه لو تستطيع جند من الأحزاب للارتقاء في أسباب السماء أنه يرجع مهزوما صاغرا داخرا ذليلا، ومما يدل على أن الآية الكريمة يشار فيها إلى شيء ما كان يظنه الناس وقت نزولها إبهامه جل وعلا لذلك الجند بلفظة ما في قوله ﴿ جند ما ﴾ وإشارته إلى مكان ذلك الجند أو مكان انهزامه إشارة البعيد في قوله ﴿ هنالك ﴾ ولم يتقدم في الآية ما يظهر رجوع الإشارة إليه إلا الارتقاء في أسباب السموات. فالآية الكريمة يفهم منها ما ذكرنا، ومعلوم أنها لم يفسرها بذلك أحد من العلماء، بل عبارات المفسرين تدور على أن الجند المذكور الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى الله عليه وسلم سوف يهزمهم، وأن ذلك تحقق يوم بدر أو يوم فتح مكة، ولكن كتاب الله لا تزال تظهر غرائبه وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام، ففي كل حين تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل، ويدل لذلك حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيح أنه لما سأل عليا رضي الله عنه هل خصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال له علي رضي الله عنه لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في كتاب الله وما في هذه الصحيفة الحديث فقوله رضي الله عنه إلا فهما يعطيه الله رجلا في كتاب الله يدل على أن فهم كتاب الله تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس، ولا مانع من حمل الآية على ما حملها عليه المفسرون. وما ذكرنا أيضا أنه يفهم منها لما تقرر عند العلماء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها صحيحة تعين حملها على الجميع كما حققه بأدلته الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن. وصرح تعالى بأن العمر في السبع الطباق في قوله

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٠٤