وإن هذا المحذور يمنع من الحمل على النفي لا شك في عدم صحته لدلالة الآيات القرآنية بكثرة على أن هذا الإيهام لا أثر له ولو كان له أثر لما كان الله يمدح نفسه بالثناء عليه بلفظة كان الدالة على خصوص الزمن الماضي في نحو قوله تعالى
وكان الله عزيزا حكيما
[النساء: 158]،
وكان الله عليما حكيما
[النساء: 17]،
وكان الله غفورا رحيما
[النساء: 96]،
وكان الله على كل شيء قديرا
[الأحزاب: 27]،
إن الله كان عليا كبيرا
[النساء: 34] إلى غير ذلك من الآيات التي يصعب حصرها.
فإن معنى كل تلك الآيات أنه كان ولم يزل.
فلو كان الكفار يقولون ذلك الذي زعموه الذي هو قولهم: صدقت ما كان له ولد في الماصي ولكنه طرأ له لقالوا مثله في الآيات التي ذكرنا.
كأن يقولوا
كان عليما حكيما
[النساء: 24] في الماضي ولكنه طرأ عليه عدم ذلك وهكذا في جميع الآيات المذكورة ونحوها.
وأيضا فإن المحذور الذي زعموه لم يمنع من إطلاق نفي الكون الماضي في قوله تعالى
وما كان ربك نسيا
[مريم: 64]، وقوله
وما كنت متخذ المضلين عضدا
[الكهف: 51] وقوله
وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون
[القصص: 59]، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
ومن أوضحها في محل النزاع قوله تعالى
وما كان معه من إله
[المؤمنون: 91] الآية.
ولم يمنع من نفي القرآن للولد في الزمن الماضي في قوله تعالى
ما اتخذ الله من ولد
[المؤمنون: 91] فإن الكفار لم يقولوا يوما ما: صدقت ما اتخذه في الماضي ولكنه طرأ عليه اتخاذه.
وكذلك في قوله
ولم يتخذ ولدا
[الفرقان: 2] وقوله
لم يلد
[الإخلاص: 3]، لأن لم تنقل المضارع إلى معنى الماضي.
والكفار لم يقولوا يوما صدقت لم يتخذ ولدا في الماضي، ولكنه طرأ عليه اتخاذه ولم يقولوا لم يلد في الماضي، ولكنه ولد أخيرا.
والحاصل أن الكفار لم يقروا أن الله منزه عن الولد لا في الماضي ولا في الحال، ولا في الاستقبال.
ومعلوم أن الولادة المزعومة حدث متجدد.
وبذلك تعلم أنما زعموه من إيهام المحذور في كون إن في الآية نافية لا أساس له ولا معول عليه، وأن ما ادعوه من كونها شرطية ليس له معنى في اللغة العربية إلا المعنى المحذور الذي لا يجوز في حق الله بحال.
واعلم أن كلام الفخر الرازي في هذه الآية الكريمة الذي يقتضي إمكان صحة الربط بين طرفيها على أنها شرطية لا شك في غلطه فيه.
وأما إبطاله لقول من قال: إن المعنى إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين له والمكذبين لكم في ذلك، فهو إبطال صحيح، وكلامه فيه في غاية الحسن والدقة، وهو يقتضي إبطاله بنفسه، لجميع ما كان يقرره في الآية الكريمة.
والحاصل أن كون معنى إن في الآية الكريمة هو النفي لا إشكال فيه، ولا محذور ولا إيهام، وأن الآيات القرآنية تشهد له لكثرة الآيات المطابقة لهذا المعنى في القرآن.
وأما كون معنى الآية الشرط والجزاء فلا يصح له معنى، غير محذور في اللغة، وليس له في كتاب الله نظير، لإجماع أهل اللسان العربي على اختلاف المعنى في التعليق بإن، والتعليق بلو.
لأن التعليق بلو يدل على عدم الشرط، وعدم الشرط استلزم عدم المشروط بخلاف إن.
فالتعليق بها يدل على الشك في وجود الشرط بلا نزاع.
وما خرج عن ذلك من التعليق بها مع العلم بوجود الشرط أو العلم بنفيه، فلأسباب أخر، وأدلة خارجة، ولا يجوز حملها على أحد أمرين المذكورين، إلا بدليل منفصل كما أوضحناه، في غير هذا الموضع.
تنبيه
اعلم أن ما ذكرنا من أن لو تقتضي عدم وجود الشرط، وأن إن تقتضي الشك فيه، لا يرد عليه قوله تعالى:
فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك
[يونس: 94] الآية. كما أشرنا له قريبا.
لأن التحقيق أن الخطاب في قوله: (إن كنت في شك) خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به من يمكن أن يشك في ذلك من أمته.
وقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: