تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43.12-13

قوله تعالى: ﴿ والذي خلق الأزواج كلها ﴾.

الأزواج الأصناف، والزوج تطلقه العرب على الصنف.

وقد بين تعالى أن الأزواج المذكورة هنا تشمل أصناف النبات وبني آدم وما لا يعلمه إلا الله.

قال تعالى:

سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون

[يس: 36].

وقال تعالى:

وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى

[طه: 53] وقال تعالى:

فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج

[الحج: 5] أي من كل صنف حسن من أصناف النبات.

وقال تعالى:

وأنزلنا من السمآء مآء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم

[لقمان: 10]. ومن إطلاق الأزواج على الأصناف في القرآن قوله تعالى:

وآخر من شكله أزواج

[ص: 58]. وقوله تعالى:

ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم

[طه: 131].

وقد قدمنا طرفا من ذلك في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى

احشروا الذين ظلموا وأزواجهم

[الصافات: 22] الآية.

قوله تعالى: ﴿ وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ﴾.

قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة المؤمن، في الكلام على قوله تعالى

الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها

[غافر: 79] الآية. وضمير المفرد المذكر الغائب في قوله: ﴿ لتستووا على ظهوره ﴾ ، وقوله: ﴿ إذا استويتم عليه ﴾ راجع إلى لفظ ما في قوله: ﴿ وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ﴾.

قوله تعالى: ﴿ وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾.

يعني جل وعلا أنه جعل لبني آدم ما يركبونه من الفلك التي هي السفن، ومن الأنعام ليستووا أي يرتفعوا معتدلين على ظهوره ثم يذكروا في قلوبهم نعمة ربهم عليهم بتلك المركوبات ثم يقولوا بألسنتهم مع تفهم معنى ما يقولون ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ [الزخرف: 13].

وقوله: " سبحان " قد قدمنا في أول سورة بني إسرائيل معناه، بإيضاح وأنه يدل على تنزيه الله جل وعلا أكمل التنزيه وأتمه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله والإشارة في قوله ﴿ هذا ﴾ راجعة إلى لفظ ﴿ ما ﴾ من قوله: ﴿ ما تركبون ﴾ وجمع الظهور نظرا إلى معنى ﴿ ما ﴾ ، لأن معناها عام شامل لكل ما تشمله صلتها ولفظها مفرد، فالجمع في الآية باعتبار معناها، والإفراد باعتبار لفظها.

وقوله: ﴿ الذي سخر لنا هذا ﴾ أي الذي ذلل لنا هذا الذي هو ما نركبه من الأنعام والسفن لأن الأنعام لو لم يذللها الله لهم لما قدروا عليها ولا يخفى أن الجمل أقوى من الرجل، وكذلك البحر لو لم يذلله لهم ويسخر لهم إجراء السفن فيه لما قدروا على شيء من ذلك.

وقوله تعالى: ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ أي مطيقين.

والعرب تقول: أقرن الرجل للأمر وأقرنه إذا كان مطيقا له كفؤا للقيام به من قولهم: أقرنت الدابة للدابة، بمعنى أنك إذا قرنتهما في حبل قدرت على مقاومتها، ولم تكن أضعف منها، فتجرها لأن الضعيف إذا لز في القرن أي الحبل، مع القوي جره ولم يقدر على مقاومته، كما قال جرير:

وابن اللبون إذا ما لز في قرن

لم يستطع صولة البزل القناعيس

وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معد يكرب وقد أنشده قطرب لهذا المعنى:

لقد علم القبائل ما عقيل

لنا في النائبات بمقرنينا

وقوله ابن هرمة:

وأقرنت ما حملتني ولقلما

يطاق احتمال الصدياد عدو الهجر

وقول الآخر:

ركبتم صعبتي أشرا وحيفا

ولستم للصعاب بمقرنينا

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن ما ذكر من السفن والأنعام لو لم يذلله الله لهم لما أقرنوا له ولما أطاقوه جاء مبينا في آيات أخر. قال تعالى في ركوب الفلك:

وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون

[يس: 41-42]. وقال تعالى:

وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٩٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٩٢٥