تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فانظر رحمك الله فظاعة جهل هذا الإنسان بالله، وشدة تناقضه في المعنى العربي للآية.

لأنه جعل قوله: إن كان الله خالقا للكفر ومعذبا عليه بمعنى " إن كان للرحمن ولد " في أن الشرط فيهما مستحيل، وجعل قوله في الله أنه شيطان لا إله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

كقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أول العابدين.

فاللازم لكلامه أن يقول: لو كان خالقا للكفر فأنا أول العابدين له، ولا يخفى أن الادعاء على الله أنه شيطان مناقض لقوله: فأنا أول العابدين.

وقد أعرضت عن الإطالة في بيان بطلان كلامه، وشدة ضلاله، وتناقضه لشناعته ووضح بطلانه، فهي عبارات مزخرفة، وشقشقة لا طائل تحتها، وهي تحمل في طياتها الكفر والجهل بالمعنى العربي للآية، والتناقض الواضح وكم من كلام مليء بزخرف القول، وهو عقيم لا فائدة فيه، ولا طائل تحته كما قيل:

وإني وإني ثم إني وإنني

إذا انقطعت نعلي جعلت له شسعا

فظل يعمل أياما رويته

وشبه الماء بعد الجهد بالماء

واعلم أن الكلام على القدر، وخلق أفعال العباد، قدمنا منه جملا كافية في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى:

وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم

[الزخرف: 20]، ولا يخفى تصريح القرآن بأن الله خالق كل شيء، كما قال تعالى:

الله خالق كل شيء

[الزمر: 62] الآية، وقال تعالى:

وخلق كل شيء فقدره تقديرا

[الفرقان: 2]. وقال:

هل من خالق غير الله

[فاطر: 3]، وقال تعالى:

إنا كل شيء خلقناه بقدر

[القمر: 49].

فالإيمان بالقدر خيره وشره الذي هو من عقائد المسلمين جعله الزمخشري يقتضي أن لله شيطان، سبحانه الله وتعالى عما يقوله الزمخشري علوا كبيرا.

وجزى الزمخشري بما هو أهله.

الأمر الرابع: هو دلالة استقراء القرآن العظيم أن الله تعالى إذا أراد أن يفرض المستحيل ليبين الحق بفرضه علقه أولا بالأداة التي تدل على عدم وجوده وهي لفظة لو: ولم يعلق عليه ألبتة إلا محالا مثله، كقوله:

لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا

[الأنبياء: 22]، وقوله تعالى:

لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء

[الزمر: 4]، وقوله تعالى:

لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ

[الأنبياء: 17] الآية.

وأما تعليق ذلك بأداة لا تقتضي عدم وجوده كلفظة إن مع كون الجزاء غير مستحيل فليس معهودا في القرآن.

ومما يوضح هذا المعنى الذي ذكرنا، المحاورة التي ذكرها جماعة من المفسرين، التي وقعت بين النضر بن الحارث، والوليد بن المغيرة، وهي وإن كانت أسانيدها غير قائمة، فإن معناها اللغوي صحيح.

وهي أن النضر بن الحارث كان يقول:

الملائكة بنات الله فأنزل الله قوله تعالى: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ [الزخرف: 81] الآية.

فقال النضر للوليد بن المغيرة: ألا ترى أنه قد صدقني؟

فقال الوليد: لا ما صدقك ولكنه يقول:

ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، أي الموحدين، من أهل مكة المنزهين له عن الولد. فمحاورة هذين الكافرين، العالمين بالعربية، مطابقة لما قررنا.

لأن النضر قال: إن معنى الآية على أن إن شرطية مطابق لما يعتقده الكفار من نسبة الولد إلى الله، وهو معنى محذور وأن الوليد قال: إن (إن) نافية، وأن معنى الآية على ذلك هو مخالفة الكفار وتنزيه الله عن الولد.

وبجميع ما ذكرنا يتضح أن إن في الآية الكريمة نافية.

وذلك مروري عن ابن عباس والحسن والسدي وقتادة وابن زيد وزهير بن محمد وغيرهم.

تنبيه

اعلم أن ما قاله ابن جرير وغير واحد من أن القول بأن إن نافية يلزمه إيهام المحذور الذي لا يجوز في حق الله.

قالوا: لأنه إن كان المعنى ما كان لله ولد فإنه لا يدل على نفي الولد، إلا في الماضي، فللكفار أن يقولوا إذا صدقت لم يكن له في الماضي ولد.

ولكن الولد طرأ عليه، بعد ذلك لما صاهر الجن، وولدت له بناته التي هي الملائكة.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٩٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٩٦٥