43.28-30
الضمير المنصوب في جعلها على التحقيق راجع إلى كلمة الإيمان المشتملة على معنى لا إله إلا الله، المذكورة في قوله
إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني
[الزخرف: 26-27] لأن لا إله إلا الله نفي وإثبات، فمعنى النفي منها هو البراءة من جميع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات.
وهذا المعنى جاء موضحا في قوله
إنني برآء مما تعبدون
[الزخرف: 26].
ومعنى الإثبات منها هو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله.
وهذا المعنى جاء موضحا في قوله:
إلا الذي فطرني فإنه سيهدين
[الزخرف: 27].
وضمير الفاعل المستتر في قوله ﴿ وجعلها ﴾ [الزخرف: 28].
قال بعضهم: هو راجع إلى إبراهيم وهو ظاهر السياق.
وقال بعضهم: هو راجع إلى الله تعالى.
فعلى القول الأول فالمعنى صير إبراهيم تلك الكلمة باقية في عقبه أي ولده وولد ولده.
وإنما جعلها إبراهيم باقية فيهم لأنه تسبب لذلك بأمرين:
أحدهما: وصيته لأولاده بذلك وصاروا يتوارثون الوصية بذلك عنه، فيوصي به السلف منهم الخلف، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله:
ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين
[البقرة: 130-132] الآية.
والأمر الثاني هو سؤاله ربه تعالى لذريته الإيمان والصلاح، كقوله تعالى
وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي
[البقرة: 124]، أي واجعل من ذريتي أيضا أئمة، وقوله تعالى عنه
رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي
[إبراهيم: 40] وقوله عنه
واجنبني وبني أن نعبد الأصنام
[إبراهيم: 35] وقوله عنه هو وإسماعيل
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك
[البقرة: 128] إلى قوله
ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم
[البقرة: 129].
وقد أجاب الله دعاءه في بعث الرسول المذكور ببعثه محمدا صلى الله عليه وسلم.
ولذا جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
" أنا دعوة إبراهيم ".
وقد جعل الله الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته، كما قال تعالى في سورة العنكبوت
ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب
[العنكبوت: 27]، وقال عنه وعن نوح في سورة الحديد
ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب
[الحديد: 26] الآية.
وعلى القول الثاني، أن الضمير عائد إلى الله تعالى، فلا إشكال.
وقد بين تعالى في آية الزخرف هذه، أن الله لم يجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته، ولم يجعل الكلمة باقية في جميع عقبه، لأن كفار مكة الذين كذبوا بنبينا صلى الله عليه وسلم من عقبه بإجماع العلماء، وقد كذبوه صلى الله عليه وسلم وقالوا إنه ساحر.
وكثير منهم مات على ذلك. وذلك في قوله تعالى ﴿ بل متعت هؤلاء ﴾ يعني كفار مكة وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين، هو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ولما جآءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون ﴾ [الزخرف: 30].
وما دلت عليه آية الزخرف هذه من أن بعض عقب إبراهيم لم يجعل الله الكلمة المذكورة باقية فيهم، دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة:
قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين
[البقرة: 124] أي الظالمين من ذرية إبراهيم.
وقوله تعالى في الصافات
وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين
[الصافات: 113].
فالمحسن منهم هو الذي الكلمة باقية فيه، والظالم لنفسه المبين منهم ليس كذلك.
وقوله تعالى في النساء
فقد آتينآ آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا
[النساء: 54-55].