يوم هم على النار يفتنون
[الذاريات: 13] أي يحرقون بها. وقوله تعالى
إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات
[البروج: 10] الآية أي أحرقوهم بنار الأخدود على أظهر التفسيرين، ومنها: الاختبار وهو أكثر استعمالاتها في القرآن، كقوله تعالى
إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة
[التغابن: 15] وقوله تعالى
ونبلوكم بالشر والخير فتنة
[الأنبياء: 35] وقوله تعالى
وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء غدقا لنفتنهم فيه
[الجن: 16-17] ومنها: نتيجة الابتلاء إن كانت سيئة كالكفر والضلال كقوله
وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة
[البقرة: 193] أي شرك بدليل قوله
الدين لله
[البقرة: 193] أي شرك بدليل قوله
ويكون الدين لله
[البقرة: 193] وقوله في الأنفال
ويكون الدين كله لله
[الأنفال: 39] ومما يوضح هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله "
الحديث. فالغاية في الحديث مبينة للغاية في الآية، لأن خير ما يفسر به القرآن بعد القرآن السنة، ومنه بهذا المعنى قوله هنا ﴿ ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ﴾ وقد جاءت الفتنة في موضع بمعنى الحجة، وهو قوله تعالى في الأنعام
ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام: 23] أي حجتهم كما هو الظاهر.
واعلم أن مرض القلب في القرآن يطلق على نوعين:
أحدهما: مرضه بالنفاق والشك والكفر، ومنه قوله تعالى في المنافقين
في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا
[البقرة: 10] الآية وقوله هنا ﴿ ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ﴾ أي كفر وشك.
والثاني: منهما إطلاق مرض القلب على ميله للفاحشة والزنى، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى
فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض
[الأحزاب: 32] أي ميل إلى الزنى ونحوه، والعرب تسمي انطواء القلب على الأمور الخبيثة: مرضا وذلك معروف في لغتهم ومنه قول الأعشى:
حافظ للفرج راض بالتقى
ليس ممن قلبه فيه مرض
وقوله هنا
والقاسية قلوبهم
[الحج: 53] قد بينا في سورة البقرة الآيات القرآنية الدالة على سبب قسوة القلوب في الكلام على قوله
ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة
[البقرة: 74] وآية الحج هذه تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم، من أن النبي هو من أوحى إليه وحي، ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحى إليه، وأمر بتبليغ ما أوحى إليه غير صحيح، لأن قوله تعالى ﴿ ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ الآية. يدل على أن كلا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير واستظهر بعضهم أن النبي المرسل الذي هو غير الرسول، هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحى إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بينه تعالى بقوله
يحكم بها النبيون الذين أسلموا
[المائدة: 44] الآية وقوله في هذه الآية ﴿ فتخبت له قلوبهم ﴾ أي تخشع وتخضع وتطمئن.