تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الحجر: 42] وقوله تعالى

وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة

[سبأ: 21] الآية وقوله:

وما كان لي عليكم من سلطان

[إبراهيم: 22] الآية. وعلى القول المزعوم أن الشيطان ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم ذلك الكفر البواح، فأي سلطان له أكبر من ذلك.

ومن الآيات الدالة على بطلان ذلك القول المزعوم قوله تعالى في النبي صلى الله عليه وسلم:

وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى

[النجم: 3-4] وقوله

هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم

[الشعراء: 221-222] وقوله في القرآن العظيم:

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

[الحجر: 9] وقوله تعالى:

وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد

[فصلت: 41-42] فهذه الآيات القرآنية تدل على بطلان القول المزعوم.

مسألة

اعلم: أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعا، ودلالة القرآن على بطلانها لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب، والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. ومعلوم أن الكلبي متروك، وقد بين البزار رحمه الله: أنها لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سيعد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله، وقد اعترف الحافظ ابن حجر مع انتصاره، لثبوت هذه القصة بأن طرقها كلها إما منقطعة أو ضعيفة إلا طريق سعيد بن جبير.

وإذا علمت ذلك فاعلم أن طريق سعيد بن جبير، لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد، وهو وإن كان ثقة فقد شك في وصلها.

فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب، ثم ساق حديث القصة المذكورة، وقال البزار: لا يرى متصلا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور وقال البزار: وإنما يروى من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. والكلبي متروك.

فتحصل أن قصة الغرانيق، لم ترد متصلة إلا من هذا الوجه الذي شك راويه في الوصل، ومعلوم أن ما كان كذلك لا يحتج به لظهور ضعفه، ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح.

وقال الشوكاني في هذه القصة: ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته، بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله كقوله

ولو تقول علينا بعض الأقاويل

[الحاقة: 44] الآية وقوله

وما ينطق عن الهوى

[النجم: 3] الآية. وقوله

ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا

[الإسراء: 74] فنفى المقاربة للركون فضلا عن الركون، ثم ذكر الشوكاني عن البزار أنها لا تروى بإسناد متصل، وعن البيهقي أنه قال: هي غير ثابتة من جهة النقل، وذكر عن إمام الأئمة ابن خزيمة: أن هذه القصة من وضع الزنادقة وأبطلها ابن العربي المالكي، والفخر الرازي وجماعات كثيرة، وقراءته صلى الله عليه وسلم سورة النجم وسجود المشركين ثابت في الصحيح، ولم يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق. وعلى هذا القول الصحيح وهو أنها باطلة فلا إشكال.

وأما على ثبوت القصة كما هو رأي الحافظ ابن حجر فإنه قال في فتح الباري: إن هذه القصة ثابتة بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذلك من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلا. فللعلماء عن ذلك أجوبة كثيرة أحسنها، وأقربها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتل السورة ترتيلا تتخلله سكتات، فلما قرأ ﴿ ومناة الثالثة الأخرى ﴾ قال الشيطان لعنه الله محاكيا لصوته: تلك الغرانيق العلى الخ فظن المشركون أن الصوت صوته صلى الله عليه وسلم، وهو برئ ومن ذلك براءة الشمس من اللمس، وقد أوضحنا هذه المسألة في رحلتنا إيضاحا وافيا، واختصرناها هنا، وفي كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٤٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٤٢٤