تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اه وقد جمع تعالى هنا بين قول الزور والإشراك به تعالى في قوله: ﴿ واجتنبوا قول الزور حنفآء لله غير مشركين به ﴾ وكما أنه جمع بينهما هنا، فقد جمع بينهما أيضا في غير هذا الموضع كقوله:

قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون

[الأعراف: 33] لأن قوله: ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ هو قول الزور. وقد أتى مقرونا بقوله: ﴿ وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ﴾ وذلك يدل على عظمة قول الزور، لأن الإشراك بالله قد يدخل في قول الزور، كادعائهم الشركاء، والأولاد لله. وكتكذيبه صلى الله عليه وسلم فكل ذلك الزور فيه أعظم الكفر والإشراك بالله. نعوذ بالله من كل سوء.

ومعنى حنفاء: قد قدمناه مرارا مع بعض الشواهد العربية، فأغنى عن إعادته هنا.

قوله تعالى: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ﴾.

بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من أشرك بالله غيره أي ومات ولم يتب من ذلك فقد وقع في هلاك، لا خلاص منه بوجه ولا نجاة معه بحال، لأنه شبهه بالذي خر: أي سقط من السماء إلى الأرض، فتمزقت أوصاله، وصارت الطير تتخطفها وتهوي بها الريح فتلقيها في مكان سحيق: أي محل بعيد لشدة هبوبها بأوصاله المتمزقة، ومن كانت هذه صفته فإنه لا يرجى له خلاص ولا يطمع له في نجاة، فهو هالك لا محالة، لأن من خر من السماء إلى الأرض لا يصل الأرض عادة إلى متمزق الأوصال، فإذا خطفت الطير أوصاله وتفرق في حواصلها، أو ألقته الريح في مكان بعيد فهذا هلاك محقق لا محيد عنه.

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من هلاك من أشرك بالله وأنه لا يرجى له خلاص، جاء موضحا في مواضع أخر كقوله:

إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار

[المائدة: 72] الآية. وكقوله:

قالوا إن الله حرمهما على الكافرين

[الأعراف: 50] وقوله:

إن الله لا يغفر أن يشرك به

[النساء: 48] الآية في الموضعين من سورة النساء، والخطف الأخذ بسرعة والسحيق البعيد. ومنه قوله تعالى:

فسحقا لأصحاب السعير

[الملك: 11] أي بعدا لهم.

وقد دلت آيات أخر على أن محل هذا الهلاك الذي لا خلاص منه بحال الواقع بمن يشرك بالله، إنما هو في حق من مات على ذلك الإشراك، ولم يتب منه قبل حضور الموت. أما من تاب من شركه قبل حضور الموت، فإن الله يغفر له، لأن الإسلام يجب ما قبله.

والآيات الدالة على ذلك متعددة كقوله:

قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف

[الأنفال: 38] وقوله:

والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق

[الفرقان: 68] إلى قوله:

إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات

[الفرقان: 70] الآية وقوله في الذين:

قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم

[المائدة: 73-74] وقوله:

وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا

[طه: 82] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وأما إن كانت توبته من شركه عند حضور الموت، فإنها لا تنفعه.

وقد دلت على ذلك آيات من كتاب الله كقوله تعالى:

وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار

[النساء: 18] فقد دلت الآية على التسوية بين الموت على الكفر والتوبة منه، عند حضور الموت وكقوله تعالى:

فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا

[غافر: 84-85] وكقوله في فرعون:

حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٤٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٤٠٤