قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي عليه جمهور أهل العلم، وحكى ابن بطال الإجماع عليه أنه لا يصلي أحمد عن أحمد، أما الصوم والحد عن الميت فقد قدمنا مشروعيتهما. وإن خالف جل أهل العلم في الصوم عن الميت، والعلم عند الله تعالى. وفي الموطأ عن مالك بعد أن ذكر حديث
" من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه "
قال يحيى: وسمعت مالكا يقول: معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
" ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه "
أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام، أو إلى مصر، أو إلى الربذة، أو ما أشبه ذلك مما ليس لله بطاعة، إن كلم فلانا أو ما أشبه ذلك فليس عليه في شيء من ذلك شيء إن هو كلمه، أو حنث بما حلف عليه، لأنه ليس لله في هذه الأشياء طاعة. وإنما يوفي لله بما له فيه طاعة اه. من الموطأ.
الفرع السابع: الأظهر عندي: أن من نذر جميع ماله لله ليصرف في سبيل الله، أنه يكفيه الثلث ولا يلزمه صرف الجميع، وهذا قول مالك وأصحابه وأحمد وأصحابه، والزهري. وفي هذه المسألة للعلماء عشرة مذاهب أظهرها عندنا: هو ما ذكرنا، ويليه في الظهور عندنا قول من قال: يلزمه صرفه كله، وهو مروي عن الشافعي والنخعي، وعن أحمد رواية أخرى: أن عليه كفارة يمين، وعن ربيعة تلزمه الصدقة بقدر الزكاة، وعن جابر بن زيد، وقتادة: إن كان كثيرا وهو ألفان تصدق بعشره، وإن كان متوسطا وهو ألف تصدق بسبعه، وإن كان قليلا، وهو خمسمائة تصدق بخمسه، وعن أبي حنيفة: يتصدق بالمال الزكوي كله، وعنه في غيره روايتان.
إحداهما: يتصدق به.
والثانية: لا يلزم منه شيء، وعن النخعي، والبتي، والشافعي: يتصدق بماله كله، وعن الليث: إن كان مليا لزمه، وإن كان فقيرا فعليه كفارة يمين، ووافقه ابن وهب وزاد وإن كان متوسطا يخرج قدر زكاة ماله وهذا مروي أيضا عن أبي حنيفة، وهو قول ربيعة كما تقدم. وعن الشعبي: لا يلزم شيء أصلا، وقيل: يلزم الكل إلا في نذر اللجاج، فكفارة يمين، وعن سحنون: يلزمه إخراج ما لا يضر به. وعن الثوري والأوزاعي، وجماعة: يلزمه كفارة يمين بغير تفصيل.
وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة.
فاعلم: أن أكثرها لا يعتضد بدليل، والذي يعتضد بالدليل منها ثلاثة مذاهب:
الأول: هو ما قدمنا أنه أظهرها عندنا، وهو الاكتفاء بالثلث.
والثاني: لزوم الصدقة بالمال كله.
والثالث: قول سحنون: أنه يلزمه إخراج ما لا يضر به. أما الاكتفاء بالثلث الذي هو أقربها عندنا، فقد يستدل له ببعض الأحاديث الصحيحة التي فيها النهي عن التصدق بالمال كله، وفيها أن الثلث كثير.
قال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب إذا أهدى ماله على وجه النذر، والتوبة: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبدالرحمن بن عبدالله عن عبدالله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال:
" سمعت كعب بن مالك يقول في حديثه: ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ [التوبة: 118] فقال في آخر حديثه: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " "
اه.
فظاهر هذا الحديث الصحيح: أن كعبا غير مستشير بل مريد التجرد من جميع ماله على وجه النذر والتوبة، كما في ترجمة الحديث. وقد أمره صلى الله عليه وسلم بأن يمسك بعض ماله، وصرح له بأن ذلك خير له. وقد جاء في بعض الروايات أنه فسر ذلك البعض الذي يمسكه بالثلثين، وأنه يتصدق بالثلث. وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث قوله:
" أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك "
زاد أبو داود عن أحمد بن صالح بهذا السند، فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر، وهو عند المصنف من وجه آخر عن ابن شهاب، ووقع في رواية ابن إسحاق عن الزهري بهذا السند، عند أبي داود: