فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية
[البقرة: 196] الآية بجامع ارتكاب المحظور، ثم تقول: ثبت بهذا القياس أن في الطيب واللباس، فدية فتجعل الطيب واللباس الثابت حكمهما بالقياس أصلا ثانيا، فتقيس عليهما هدي التمتع في جواز التقديم بجامع أن الكل دم جبران، وكأن تقول: يحرم الربا في الذرة، قياسا على البر بجامع الاقتيات، والادخار، أو الكيل مثلا ثم تقول: ثبت تحريم الربا في الربا في الذرة بالقياس على البر، فتجعل الذرة أصلا ثانيا، فتقيس عليها الأرز، ونحو ذلك فعلى أن مثل هذا لا يصح به القياس، فسقوط الاستدلال المذكور واضح وعلى القول بصحة القياس عليه، وهو الذي درج عليه في مراقي السعود بقوله:
وحكم الأصل قد يكون ملحقا
لما من اعتبار الأدنى حققا
فهو قياس مختلف في صحته أصلا، وهو فاسد الاعتبار أيضا، لمخالفته لسنته صلى الله عليه وسلم.
واستدلالهم بقوله تعالى:
فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي
[البقرة: 196] قائلين: إنه بمجرد الإحرام بالحج يسمى متمتعا، فيجب الهدي بإحرام الحج، لأن اسم التمتع يحصل به، والهدي معلق عليه قالوا: ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله كقوله تعالى
ثم أتموا الصيام إلى الليل
[البقرة: 187] مردود أيضا.
أما كون التمتع يوجد بإحرام الحج، والهدي معلق عليه فيلزم وجوده بوجوده، فقد بينا رده من وجهين بإيضاح قريبا فأغنى عن إعادته هنا.
وقولهم: إن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله يعنون أن قوله تعالى:
فمن تمتع بالعمرة إلى الحج
[البقرة: 196] جعل فيه الحج غاية بحرف الغاية الذي هو إلى، فيجب تعلق الحكم الذي هو ذبح الهدي بأول الغاية، وهو الحج وأوله الإحرام، فيجب الذبح بالإحرام كقوله:
ثم أتموا الصيام إلى الليل
[البقرة: 187] فإن حكم إتمام الصيام ينتهي بأول جزء من الليل، الذي هو الغاية لإتمامه مردود من وجهين.
الأول: أن هذا غير مطرد، فلا يلزم تعلق الحكم بأول ما جعل غاية.
ومن النصوص التي لم يتعلق الحكم فيها بأول ما جعل غاية قوله تعالى:
فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره
[البقرة: 230] فنكاحها زوجا غيره جعل غاية لعدم حليتها له، مع أن أول هذه الغاية الذي هو عقد النكاح، لا يتعلق به الحكم، بل لا بد من بلوغ آخر الغاية: وهو الجماع، ولذا قال صلى الله عليه وسلم
" لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك "
فعلم أن التعلق بأول الغاية: لا يلزم على كل حال.
الوجه الثاني: أن سنة النبي الثابتة عنه من فعله، ومفهوم قوله: بينت أن هذا الحكم، لا يتعلق بأول الغاية، وإنما يتعلق بآخرها وهو الإحلال الأول: لأنه لم ينحر هدي تمتع، ولا قران إلا بعد رمي جمرة العقبة، وفعله فيه البيان الكافي للمراد من الغاية التي يترتب عليها
فما استيسر من الهدي
[البقرة: 196] والله يقول
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر
[الأحزاب: 21] الآية ففعله مبين لقوله ﴿ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ﴾ لأنه ذبح عن أزواجه المتمتعات يوم النحر، وأمر أصحابه المتمتعين بذلك، وخير ما يبين به القرآن بعد القرآن السنة، والله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم
وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم
[النحل: 44] الآية، وهو صلى الله عليه وسلم يبين المناسك بأفعاله، موضحا بذلك المراد من القرآن، ويقول:
" لتأخذوا عني مناسككم ".
الثالث: أنه لو جاز له ذبحه قبل يوم النحر، لجاز الحلق قبل يوم النحر، وذلك باطل فالحلق لا يجوز، حتى يبلغ الهدي محله. كما هو صريح القرآن، والحلق لم يجز قبل يوم النحر، فالهدي لم يبلغ محله قبل يوم النحر، وهو واضح كما ترى، ولذا لم يأذن صلى الله عليه وسلم في حجته، لمن ساق هديا أن يحل ويحلق، وإنما أمر بفسخ الحج في العمرة من لم يسق هديا، ولا شك أن ذلك عمل منه بقوله تعالى: