والبدن جعلناها لكم من شعائر الله
[الحج: 36] فذهبوا إلى تخصيص ما يقع عليه اسم البدن، قال: ويرد هذا قوله تعالى
هديا بالغ الكعبة
[المائدة: 95] وأجمع المسلمون على أن في الظبي شاة، فوقع عليهما اسم هدي.
قلت: قد احتج بذلك ابن عباس، فأخرج الطبري بإسناد صحيح إلى عبدالله بن عبيد بن عمير قال: قال ابن عباس: الهدي شاة. فقيل له في ذلك، فقال: أنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تقرون به ما في الظبي، قالوا: شاة، قال: فإن الله يقول
هديا بالغ الكعبة
[المائدة: 95] ا ه من فتح الباري.
وقد قدمنا في سورة البقرة: أنه ثبت في الصحيحين، عن عائشة أنها قالت " أهدي صلى الله عليه وسلم مرة غنما " وهو نص صحيح عنها صريح في تسمية الغنم هديا كما ترى.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أنه هو الصواب في هدي التمتع، الذي نص الله في كتابه على أنه ما استيسر من الهدي: أنه شاة، أو بدنة، أو بقرة. ويكفي في ذلك سبع البدنة وسبع البقرة، عن المتمتع الواحد، وتكفي البدنة عن سبعة متمتعين لثبوت الروايات الصحيحة بذلك، ولم يقم من كتاب الله، ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم: نص صريح في محل النزاع يقاومها، ورواية جابر: أن البدنة تكفي في الهدي، عن سبعة أخص في محل النزاع من حديث رافع بن خديج
" أنه صلى الله عليه وسلم جعل البعير في القسمة يعدل عشرا من الغنم "
لأن هذا في القسمة، وحديث جابر في خصوص الهدي، والأخص في محل النزاع مقدم على الأعم، والعلم عند الله تعالى.
ومما يوضح ذلك ما ذكره ابن حجر في الفتح في شرح حديث رافع المذكور، وقد أورده البخاري في كتاب الذبائح،
" عن رافع بن خديج بلفظ قال " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فأصبنا إبلا وغنما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات الناس فعجلوا فنصبوا القدور، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأمر بالقدور فأكفئت، ثم قسم فعدل عشرا من الغنم ببعير فند منها بعير " "
الحديث.
ونص كلام ابن حجر في هذا الحديث، وهذا محمول على أن هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك، فلعل الإبل كانت قليلة، أو نفيسة، والغنم كانت كثيرة، أو هزيلة بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه، ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي، من أن البعير يجزئ عن سبع شياه، لأن ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعيرالمتعدلين. وأما هذه القسمة، فكانت واقعة عين، فيحتمل أن يكون التعديل لما ذكر من نفاسة الإبل، دون الغنم.
" وحديث جابر عند مسلم صريح في الحكم حيث قال فيه " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة " "
والبدنة تطلق على الناقة، والبقرة.
وأما حديث ابن عباس " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الأضحى فاشتركنا في البقرة تسعة وفي البدنة عشرة " فحسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وعضده بحديث رافع بن خديج هذا.
والذي يتحرر في هذا: أن الأصل أن البعير بسبع ما لم يعرض عارض من نفاسة، ونحوها، فيتغير الحكم بحسب ذلك، وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك، ثم الذي يظهر من القسمة المذكورة، أنها وقعت فيما عدا ما طبخ وأريق من الإبل والغنم، التي كانوا غنموها، ويحتمل إن كانت الواقعة تعددت أن تكون القصة التي ذكرها ابن عباس، أتلف فيها اللحم لكونه كان قطع للطبخ، والقصة التي في حديث رافع طبخت الشياه صحاحا مثلا، فلما أريق مرقها ضمت إلى الغنم لتقسم، ثم يطبخها من وقعت في سهمه، ولعل هذا هو النكتة في انحطاط قيمة الشياه، عن العادة والله أعلم. انتهى كلام ابن حجر.
وكون اللحم رد لطبخه من وقع في سهمه مرة أخرى، غير ظاهر عندي والله أعلم.
وحديث رافع المذكور: أخرجه أيضا مسلم في كتاب: الصيد والذبائح، ولفظ المراد منه
" عن رافع قال: " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة من تهامة فأصبنا غنما وإبلا فعجل القوم فأغلوا بها القدور فأمر بها فكفئت، ثم عدل عشرا من الغنم بجزور " ".