[المائدة: 95] الآية.
الرابع: دم فدية الأذى المذكور في قوله:
ففدية من صيام أو صدقة أو نسك
[البقرة: 196]، وهذه الدماء الأربعة اثنان منها على التخيير، وهما: دم الفدية في قوله: ﴿ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾ كما قدمنا إيضاحه.
والثاني: جزاء الصيد فهو على التخيير أيضا كما قدمنا إيضاحه مستوفى في الكلام على قوله:
يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما
[المائدة: 95] الآية.
وقد أوضحنا الكلام على التخيير فيهما غاية الإيضاح بما أغنى عن إعادته هنا، وواحد من الدماء الأربعة المذكورة على الترتيب إجماعا، وهو دم التمتع الشامل للقران، لأن الله بين أنه على الترتيب بقوله:
فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي
[البقرة: 196] ثم قال مبينا الترتيب:
فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم
[البقرة: 196].
والرابع: من الدماء المذكورة اختلف فيه فمن قال: له بدل عند العجز عنه قال: هو على الترتيب، ومن قال: لا بدل له فالأمر على قوله واضح، لأنه ليس هناك تعدد، يقتضي الترتيب أو عدمه، وهذا القسم هو دم الإحصار وقد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة البقرة في الكلام على قوله:
فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي
[البقرة: 196] الآية.
والحاصل: أن ثلاثة من الدماء الأربعة المذكورة، قد قدمنا الكلام على كل واحد منها، بغاية الإيضاح، والاستيفاء فدم الفدية قدمناه في مبحث آية الحج التي هي:
وأذن في الناس بالحج
[الحج: 27] الآية. في جملة مسائل الحج، التي ذكرنا في الكلام عليها.
ودم جزاء الصيد قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في المائدة في الكلام على قوله تعالى:
هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما
[المائدة: 95] الآية.
ودم الإحصار قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في البقرة، في الكلام على قوله ﴿ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ﴾.
وأما هدي التمتع، فلم يتقدم لنا فيه إيضاح، وسنبينه الآن.
أما التمتع بالعمرة فمعلوم: أن كل من اعتمر في أشهر الحج، ثم حل من عمرته، ثم حج من عامه، ولم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أنه متمتع.
وقد بينا أن الصحابة بينوا أنه يشمل القران من حيث إن كلا منهما عمرة في أشهر الحج مع الحج، وإن كان بين حقيقتيهما اختلاف كما هو واضح.
اعلم أولا: أن العلماء اشترطوا لوجوب هدي التمتع شروطا.
منها: ما هو مجمع عليه.
ومنها: ما هو مختلف فيه.
الأول: أن يعتمر في أشهر الحج فإن اعتمر في غير أشهر الحج، لم يلزمه دم، لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج، فلم يلزمه دم كالمفرد، ولا يخفى سقوط قول طاوس: إنه متمتع، كما لا يخفى سقوط قول الحسن: إن من اعتمر بعد النحر فهو متمتع.
وقال ابن المنذر: لا نعلم أحدا قال بواحد من هذين القولين. قاله في المغني فإن أحرم بها في غير أشهر الحج، ولكنه أتى بأفعالها في أشهر الحج، ففي ذلك للعلماء قولان:
أحدهما: يجب عليه الدم نظرا إلى أفعال العمرة الواقعة في أشهر الحج.
والثاني: لا يجب عليه دم نظرا إلى وقوع الإحرام، قبل أشهر الحج، وهو نسك لا تتم العمرة بدونه، ولكليهما وجه من النظر، ولا نص فيهما، وممن قال بأنه لا دم عليه، وأنه غير متمتع: الإمام أحمد.
قال في المغني: ونقل معنى ذلك، عن جابر، وأبي عياض، وهو قول إسحاق، وأحد قولي الشافعي، وقال طاوس عمرته: في الشهر الذي يدخل فيه الحرم. وقال الحسن، والحكم، وابن شبرمة، والثوري، والشافعي في أحد قوليه: عمرته في الشهر الذي يطوف فيه. وقال عطاء: عمرته في الشهر الذي يحل فيه، وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: إن طاف للعمرة أربعة أشواط، قبل أشهر الحج فليس بمتمتع، وإن طاف الأربعة في أشهر الحج، فهو متمتع. لأن العمرة صحت في أشهر الحج، بدليل أنه لو وطئ أفسدها، فأشبه إذا أحرم بها في أشهر الحج. قاله في المغني والله تعالى أعلم.