تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحديث وهو صريح في أن العصفر: ليس بطيب. وقد قدمنا الكلام على هذا الحديث.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يختضبن بالحناء، وهن محرمات، ويلبسن المعصفر وهن محرمات ".

وقال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يعقوب بن عطاء، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة ا ه. وسيأتي ما يدل على منع لبس المعصفر مطلقا.

وقال صاحب المغني أيضا: ولا بأس بالمصبوغ بالمغرة، لأنه مصبوغ بطين لا بطيب، وكذلك المصبوغ بسائر الأصباغ، سوى ما ذكرنا، لأن الأصل الإباحة، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، وما كان في معناه، وليس هذا كذلك، وأما المصبوغ بالرياحين: فهو مبني على الرياحين في نفسها، فما منع المحرم من استعماله منع من لبس المصبوغ به إذا ظهرت رائحته، وإلا فلا، وهذا الذي ذكرنا هو حاصل مذهب الإمام أحمد في الطيب للمحرم، ولا فرق عنده بين قليل الطيب وكثيره، ولا بين قليل اللبس وكثيره، كما تقدم إلا أنه يفرق بين تعمد استعمال الطيب، واللبس وبين استعماله لذلك ناسيا، فإن فعله متعمدا أثم وعليه الفدية، وإزالة الطيب، واللباس فورا، وإن تطيب، أو لبس ناسيا: فلا فدية عليه، ويخلع اللباس، ويغسل الطيب.

قال ابن قدامة في المغني: المشهور أن المتطيب ناسيا، أو جاهلا لا فدية عليه، وهو مذهب عطاء، والثوري، وإسحاق، وابن المنذر. انتهى محل الغرض منه، ثم ذكر أن الذي يستوي عمده ونسيانه في لزوم الكفارة ثلاثة أشياء: وهي الجماع، وقتل الصيد، وحلق الرأس، وأن كل ما سوى هذه الثلاثة يفرق فيه بين العمد والنسيان. وذكر أن الإمام أحمد نقل عن سفيان أن الثلاثة المذكورة يستوي عمدها ونسيانها في لزوم الكفارة.

وقال في المغني: ويلزمه غسل الطيب، وخلع اللباس، لأنه فعل محظورا، فيلزمه إزالته، وقطع استدامته كسائر المحظورات، والمستحب أن يستعين في غسل الطيب بحلال لئلا يباشر المحرم الطيب بنفسه. ويجوز أن يليه بنفسه، ولا شيء عليه،

" لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي رأى عليه طيبا أو خلوقا " اغسل عنك الطيب " "

ولأنه تارك له، فإن لم يجد ما يغسله به، مسحه بخرقة، أو حكه بتراب، أو ورق أو حشيش، لأن الذي عليه إزالته بحسب القدرة. وهذا نهاية قدرته ثم قال: وإذا احتاج إلى الوضوء، وغسل الطيب، ومعه ماء لا يكفي إلا أحدهما: قدم غسل الطيب ويتيمم للحدث، لأنه لا رخصة في إبقاء الطيب، وفي ترك الوضوء إلى التيمم رخصة، فإن قدر على قطع رائحة الطيب بغير الماء فعل، وتوضأ فإن المقصود من إزالة الطيب قطع رائحته، فلا يتعين الماء والوضوء، بخلافه ا ه منه. وهذا خلاصة المذهب الحنبلي في مسألة الطيب للمحرم.

ومذهب الشافعي في هذه المسألة: أنه يحرم على الرجل والمرأة استعمال الطيب، ولا فرق عنده بين القليل والكثير، واستعمال الطيب عنده: هو أن يلصق الطيب ببدنه، أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك الطيب. فلو طيب جزءا من بدنه بغالية، أو مسك مسحوق، أو ماء ورد: لزمته الفدية، سواء كان الإلصاق بظاهر البدن أو باطنه، فإن أكله أو احتقن به، أو استعط، أو اكتحل أو لطخ به رأسه، أو وجهه أو غير ذلك من بدنه أثم، ولزمته الفدية، ولا خلاف عندهم في شيء من ذلك، إلا الحقنة والسعوط ففيهما وجه ضعيف: أنه لا فدية فيهما، ومشهور مذهب الشافعي: وجوب الفدية فيهما، ولو لبس ثوبا مبخرا بالطيب، أو ثوبا مصبوغا بالطيب، أو علق بنعله طيب، لزمته الفدية عند الشافعية ولو عبقت رائحة الطيب دون عينه، بأن جلس في دكان عطار أو عند الكعبة، وهي تبخر أو في بيت يبخر ساكنوه: فلا فدية عليه بلا خلاف، ثم إن لم يقصد الموضع لاشتمام الرائحة، لم يكره، وإن قصده لاشتمامها ففي كراهته قولان: للشافعي أصحهما: يكره، وبه قطع القاضي أبو الطيب، وآخرون، وهو نصه في الإملاء، والثاني: لا يكره، وقطع القاضي حسين: بالكراهة، وقال: إنما القولان في وجوب الفدية، والمذهب الأول، وبه قطع الأكثرون.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢٩٢