وحجة من قال: إن الإحرام من الميقات أفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم في حجته وعمرته من الميقات الذي هو ذو الحليفة، وهذا مجمع عليه من أهل العلم، وأحرم معه في حجه وعمرته أصحابه كلهم من الميقات، وكذلك كان يفعل بعده خلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة والتابعين، وجماهير العلماء، وأهل الفضل فترك النبي صلى الله عليه وسلم الإحرام في مسجده الذي صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وإحرامه من الميقات دليل واضح، لا شك فيه أن السنة هي الإحرام من الميقات، لا مما فوقه، واحتج من قال: بكون الإحرام مما فوق الميقات أفضل بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن أبي فديك، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن يحنس، عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي، عن جدته حكيمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة "
شك عبدالله أيتهما قال: قال أبو داود: يرحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس، يعني إلى مكة. انتهى من سنن أبي داود. واحتج أهل هذا القول أيضا بتفسير عمر، وعلي رضي الله عنهما لقوله
وأتموا الحج والعمرة لله
[البقرة: 196] قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، واحتجوا أيضا بما رواه مالك في الموطأ عن الثقة عنده أن عبدالله بن عمر: أهل من إيلياء. وهي بيت المقدس، ورد المخالفون استدلال هؤلاء بأن حديث أم سلمة: ليس بالقوي.
قال النووي في شرح المهذب: وأما حديث أم سلمة، فرواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، وآخرون وإسناده ليس بالقوي، وبأن تفسير علي وعمر رضي الله عنهما للآية، وفعل ابن عمر كلاهما مخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله في حجته تفسير لآيات الحج. وقد قال صلى الله عليه وسلم
" خذوا عني مناسككم "
وإحرامه من الميقات مجمع عليه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلا هو: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والإحرام من الميقات، فلو كان الإحرام قبله فيه فضل لفعله صلى الله عليه وسلم، والخير كله في اتباعه صلى الله عليه وسلم.
وقال النووي في شرح المهذب، بعد أن يبين أن الإحرام من الميقات أفضل من غيره ما نصه: فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم، أحرم من الميقات لبيان جوازه.
فالجواب من أوجه:
أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم قد بين الجواز بقوله صلى الله عليه وسلم
" مهل أهل المدينة من ذي الحليفة ".
الثاني: أن بيان الجواز فيما يتكرر فعله، ففعله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرات يسيرة على أقل ما يجزئ بيانا للجواز ويداوم في عموم الأحوال، على أكمل الهيئات، كما توضأ مرة في بعض الأحوال وداوم على الثلاث، ونظائر هذا كثيرة، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أحرم من المدينة، وإنما أحرم بالحج وعمرة الحديبية من ذي الحليفة.
الثالث: أن بيان الجواز إنما يكون في شيء اشتهر أكمل أحواله بحيث يخاف أن يظن وجوبه، ولم يوجد ذلك هنا، وهذا كله إنما يحتاج إليه على تقدير دليل صريح صحيح في مقابلته ولم يوجد ذلك، فإن حديث أم سلمة قد سبق أن إسناده ليس بالقوي فيجاب عنه بأربعة أجوبة.
الأول: أن إسناده ليس بقوي.
الثاني: أن فيه بيان فضيلة الإحرام من فوق الميقات وليس فيه أنه أفضل من الميقات. ولا خلاف أن الإحرام من فوق الميقات فيه فضيلة، وإنما الخلاف أيهما أفضل.
فإن قيل: هذا الجواب يبطل فائدة تخصيص المسجد الأقصى.
فالجواب: أن فيه زيادة هي تبيين قدر الفضيلة فيه.
والثالث: أن هذا معارض لفعله صلى الله عليه وسلم المتكرر في حجته وعمرته، فكان فعله المتكرر أفضل.
الرابع: أن هذه الفضيلة جاءت في المسجد الأقصى لأن له مزايا عديدة معروفة، ولا يوجد ذلك في غيره، فلا يلحق به والله تعالى أعلم. انتهى كلام النووي. ولا شك: أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من المسجد الأقصى، بدليل الحديث المتفق عليه