وإذا علمت هذا فاعلم أن الاستقراء التام أعني تتبع أفراد النسك، دل على أن كل نسك من حج أو قران أو عمرة، غير صورة النزاع لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم، حتى يكون صاحب النسك زائرا قادما على البيت من خارج كما قال تعالى ﴿ يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ﴾ [الحج:27] الآية.
فالمحرم بالحج أو القران من مكة لا بد أن يخرج إلى عرفات: وهي في الحل، والآفاقيون يأتون من الحل لحجهم وعمرتهم، فجميع صور النسك غير صورة النزاع، لا بد فيها من الجمع بين الحل والحرم، فيعلم بالاستقراء التام أن صورة النزاع لا بد فيها من الجمع أيضا بين الحل والحرم، وإلى مسألة الاستقراء المذكورة أشار في مراقي السعود بقوله:
ومنه الاستقراء بالجزئي
على ثبوت الحكم للكلي
فإن يعم غير ذي الشقاق
فهو حجة بالاتفاق الخ
وقوله: فإن يعم البيت: يعني أن الاستقراء إذا عم الصور كلها غير صورة النزاع فهو حجة في صورة النزاع بلا خلاف، والشقاق الخلاف. فقوله: غير ذي الشقاق: أي غير محل النزاع.
واعلم أن جماعة من أهل العلم يقولون: إن أهل مكة ليس لهم التمتع، ولا القران، فالعمرة في التمتع والقران ليست لهم، وإنما لهم أن يحجوا بلا خلاف والعمرة منهم في غير تمتع، ولا قران جائزة عند جل من لا يرون عمرة التمتع والقران لأهل مكة، وممن قال لا تمتع ولا قران لأهل مكة: أبو حنيفة وأصحابه، ونقله بعض الحنفية عن ابن عمر وابن عباس، وابن الزبير، وهو رأي البخاري رحمه الله كما ذكره في صحيحه، ومنشأ الخلاف في أهل مكة هل لهم تمتع أو قران أو لا؟ هو اختلاف العلماء في مرجع الإشارة في قوله تعالى
ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام
[البقرة: 196] فالذين قالوا: لأهل مكة تمتع وقران كغيرهم، قالوا: الإشارة راجعة إلى الهدي والصوم، ومفهومه أن من كان أهله حاضري المسجد الحرام إذا تمتع فلا هدي عليه ولا صوم، والذين قالوا: ليس لأهل مكة تمتع ولا قران، قالوا: الإشارة راجعة إلى قوله
فمن تمتع
[البقرة: 196] أي ذلك التمتع ﴿ لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ أما من كان أهله حاضري المسجد الحرام، فلا تمتع له والقران داخل في اسم التمتع في عرف الصحابة، كما تقدم إيضاحه، والذين قالوا هذا القول زعموا أن في الآية بعض القرائن الدالة عليه، منها التعبير باللام في قوله ﴿ لمن لم يكن أهله ﴾ الآية، لأن اللام تستعمل فيما لنا لا فيما علينا، والتمتع لنا أن نفعله بخلاف الهدي، فهو علينا وكذلك الصوم عند العجز عن الهدي، ومنها: أنه جمع في الإشارة بين اللام والكاف، وذلك يدل على شدة البعد والتمتع أبعد في الذكر من الهدي والصوم.
وأجاب المخالفون: بأن الإشارة ترجع إلى أقرب مذكور وهو الهدي، والصوم، وأن الإشارة إلى القريب إشارة البعيد أسلوب عربي معروف، وقد ذكره البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ومنه قوله
ذلك الكتاب
[البقرة: 2] أي هذا الكتاب. لأن الكتاب قريب، ولذا تكثر الإشارة إليه بإشارة القريب كقوله
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم
[الإسراء: 9] وقوله
وهذا كتاب أنزلناه
[الأنعام: 92- 155] الآية وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، ومن إطلاق إشارة البعد على القريب قول خفاف بن ندبة السلمي:
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها
فعمدا على عيني تيممت مالكا
أقول له والرمح يأطر متنه
تأمل خفافا إنني أنا ذلكا
فقد أشار إلى نفسه إشارة البعيد، ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون بعيدا من نفسه قالوا: واللام تأتي بمعنى على كقوله
وإن أسأتم فلها
[الإسراء: 7] أي فعليها وقوله تعالى
ويخرون للأذقان
[الإسراء: 109] أي على الأذقان، ومنه قول الشاعر، وقد قدمناه في أول سورة هود:
هتكت له بالرمح جيب قميصه
فخر صريعا لليدين وللفم
وفي الحديث
" واشترطي لهم الولاء "
أو أن المراد ذلك الحكم بالهدي والصوم مشروع، لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.