تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفرع الرابع: أظهر قولي أهل العلم عندي أنه إن قضى رمي اليوم الأول والثاني من أيام التشريق في اليوم الثالث منها، ينوي تقديم الرمي عن اليوم الأول قبل الثاني، ولا يجوز تقديم رمي الثاني بالنية، لأنه لا وجه لتقديم المتأخر وتأخير المتقدم من غير إستناد إلى دليل كما ترى.

والظاهر أنه إن نوى تقديم الثاني: لا يجزئه لأنه كالمتلاعب، خلافا لمن قال: يجزئه. والله تعالى أعلم.

الفرع الخامس: اعلم أن العلماء اختلفوا في القدر الذي يوجب تركه الدم، من رمي الجمار، فذهب مالك، وأصحابه إلى أن من أخر رمي حصاة واحدة من واحدة من الجمار. إلى ليل ذلك اليوم، لزمه الدم، وما فوق الحصاة أحرى بذلك، وسواء عندهم في ذلك رمي جمرة العقبة، يوم النحر ورمي الثلاث أيام التشريق. ومعلوم أن من توقف من المالكية في كون الرمي ليلا قضاء يتوقف في وجوب الدم، إن رمى ليلا، ولكن مشهور مذهبه: هو أن الليل قضاء كما قال خليل في مختصره: والليل قضاء. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه: إلى أن الدم يلزمه بترك رمي الجمرات كلها، أو رمي يوم واحد من أيام التشريق، وكذلك عندهم رمي جمرة العقبة، فرمي جمرة العقبة ورمي يوم من أيام التشريق، ورمي الجميع سواء عندهم، يلزم في ترك كل واحد منها دم واحد، وما هو أكثر من نصف رمي يوم عندهم كرمي اليوم يلزم فيه الدم، فلو رمى جمرة وثلاث حصيات من جمرة، وترك الباقي، فعليه دم، لأنه رمى عشر حصيات وترك إحدى عشرة حصاة، فإن ترك أقل من نصف رمي يوم كأن ترك جمرة واحدة، فلا دم عليه، ولكن عليه الصدقة، عندهم، فيلزمه لكل حصاة نصف صاع من بر أو صاع من تمر، أو شعير إلا أن يبلغ ذلك دما فينقص ما شاء هكذا يقولون. ولا أعلم له مستندا من النقل، وقد قدمنا أن الدم يلزم عند أبي حنيفة بفوات الرمي في يومه وليلته، التي بعده، ولو رماه من الغد في أيام التشريق، وخالفه في ذلك صاحباه. ومذهب الشافعي في هذه المسألة فيه اختلاف يرجع إلى قولين:

القول الأول: وعليه اقتصر صاحب المهذب: أنه إن ترك رمي الجمار الثلاث في يوم من أيام التشريق لزمه دم، وإن ترك ثلاث حصيات من جمرة، فما فوقها: لزمه دم لأن ثلاث حصيات فما فوقها يقع عليها اسم الجمع المطلق، فصار تركها كترك الجميع، وإن ترك حصاة واحدة فثلاثة أقوال:

الأول: يجب عليه ثلاث دم.

والثاني: مد.

والثالث: درهم. وحكم الحصاتين كذلك، قيل: يلزم فيها ثلثا دم، وقيل: مدان وقيل درهمان، فإن ترك الرمي في أيام التشريق كلها، فعلى القول المشهور عندهم أنها كيوم واحد، فاللازم دم واحد. وإن قلنا: بأن كل يوم منفرد بوقته، فثلاثة دماء، وإن ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، فعلى القول بأن رمي يوم النحر كرمي يوم من أيام التشريق، لزمه على القول الأول أنها كيوم واحد دم واحد، وإن قلنا: بانفراد رمي يوم النحر عن أيام التشريق، لمخالفته لها وقتا وعددا، فإن قلنا: بالمشهور أن أيام التشريق كيوم واحد، لزمه دمان، وإن قلنا: بانفراد كل يوم منها عن الآخر بوقته، لزمه أربعة دماء.

القول الثاني: أن الجمرات الثلاث كلها كالشعرات الثلاث، فلا يكمل الدم في بعضها بل لا يلزم إلا بترك جميعها، بأن يترك رمي يوم، وعليه فإن ترك رمي جمرة من الجمار، ففيه الأقوال الثلاثة المشهورة عندهم، فيمن حلق شعرة أظهرها: مد، والثاني: درهم، والثالث: ثلث دم، فإن ترك جمرتين، فعلى هذا القياس، وهو لزوم مدين أو درهمين أو ثلثي دم، وعلى هذا لو ترك حصاة من جمرة، فعلى أن في الجمرة ثلث دم يلزمه في الحصاة جزء من واحد وعشرين جزءا من دم، وعلى أن فيها مد أو درهما، ففي الحصاة سبع مد أو سبع درهم، وللشافعية في هذا المبحث تفاصيل كثيرة، تركناها لطولها، ومذهب الإمام أحمد: أن من أخر الرمي كله عن أيام التشريق. لزمه دم، وعنه في ترك رمي الجمرة الواحدة دم، ولا شيء عنده في الحصاة، والحصاتين وعنه يتصدق بشيء. وروي عنه أن في الحصاة الواحدة: دما كقول مالك. وروي عنه أن في ثلاث حصيات: دما كأحد قولي الشافعي وفيما دون ذلك كل حصاة مد كأحد الأقوال عند الشافعية والعلم عند الله تعالى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢٤١