تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجمرتنا تجمير كسرى جنوده

ومنيتنا حتى نسينا الأمانيا

والجمار: القوم المجتمعون، ومنه قول الأعشى:

فمن مبلغ وائلا قومنا

وأعني بذلك بكرا جمارا

أي مجتمعين، وعلى هذا فاشتقاق الجمرة من التجمر بمعنى: التجمع لاجتماع الحجيج عندها يرمونها، وقيل: لأن الحصى يتجمع فيها، وقيل: اشتقاق الجمرة من أجمر إذا أسرع، لأن الناس يأتون مسرعين لرميها. وقيل: أصلها من جمرته إذا نحيته وأظهرها القول الأول والثاني، والعلم عند الله تعالى.

الفرع الثالث: في آخر وقت الرمي أيام التشريق.

قد علمت أن أول وقت رميها بعد الزوال، ولا خلاف بين العلماء، أن بقية اليوم وقت للرمي إلى الغروب.

واختلفوا فيما بعد الغروب، فمنهم من يقول: إن غربت الشمس، ولم يرم رمى بالليل، وبعضهم يقول: الليل قضاء، وبعضهم يقول: أداء، وقد قدمنا أقوالهم، وحججهم في الكلام على رمي جمرة العقبة، ومنهم من يقول: لا يرمي بالليل، بل يؤخر الرمي، حتى تزول الشمس من الغد كما قدمناه، مع إجماعهم على فوات وقت الرمي بغروب اليوم الثالث عشر من ذي الحجة الذي هو رابع يوم النحر.

واعلم أن هذا الحكم له حالتان:

الأولى: حكم الرمي في الليلة التي تلي اليوم الذي فاته الرمي فيه من أيام التشريق.

والثانية: الرمي في يوم آخر من أيام التشريق.

أما الليل فقد قدمنا أن الشافعية والمالكية والحنفية كلهم يقولون: يرمي ليلا، والمالكية بعضهم يقولون: الرمي ليلا قضاء، وهو المشهور عندهم، وبعضهم يتوقف في كونه قضاء أو أداء، كما قدمناه عن الباجي، والحنفية يقولون: إن الليلة التي بعد اليوم تبع له، فيجوز الرمي فيها تبعا له، فيجوز الرمي فيها تبعا لليوم، والشافعية لهم وجهان مشهوران في الرمي في الليلة التي بعد اليوم، هل هو أداء، أو قضاء؟ كما قدمناه مستوفى، والحنابلة قدمنا أنهم يقولون: لا يرمي ليلا، بل يرمي من الغد بعد زوال الشمس، كما ذكرنا فيه كلام صاحب المغني وأما رمي يوم من أيام التشريق في يوم آخر منها، فلا خلاف فيه بين من يعتد به من أهل العلم، إلا أنهم اختلفوا في أيام التشريق الثلاثة هل هي كيوم واحد؟ فالرمي في جميعها أداء، لأنها وقت للرمي كيوم واحد، أو كل يوم منها مستقل، فإن فات هو وليلته التي بعده فات وقت رميه، فيكون رميه، فيكون قضاء في اليوم الذي بعده، فعلى القول الأول لو رمى عن اليوم الأول في الثاني أو عن الثاني في الثالث، أو عن الأول والثاني في الثالث، فلا شيء عليه، لأنه رمى في وقت الرمي، وعلى الثاني يلزمه دم عن كل يوم فاته رمي فيه إلى الغد، عند من يقول: بتعدد الدماء كالشافعية، أو دم واحد عن اليومين، عند من يقول: بعدم التعدد.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق في هذه المسألة أن أيام التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي، فمن رمى عن يوم منها في يوم آخر منها أجزأه، ولا شيء عليه، كما هو مذهب أحمد، ومشهور مذهب الشافعي، ومن وافقهما.

والدليل على ذلك: هو ما رواه مالك في الموطأ، والإمام أحمد، والشافعي، وابن حبان، والحاكم، وأصحاب السنن الأربعة، عن عاصم بن عدي العجلاني رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لرعاء الإبل، أن يرموا يوما، ويدعو يوما هذا لفظ أبي داود، والنسائي وابن ماجه، وفي لفظ: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر ثم يرمون الغداة، ومن بعد الغداة ليومين، ثم يرمون يوم النفر.

ولهذا الحديث ألفاظ متقاربة غير ما ذكرنا، ومعناها واحد، وقال الإمام مالك رحمه الله في الموطأ: ما نصه: تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في تأخير رمي الجمار فيما نرى والله أعلم: أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول، فيرمون لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم ذلك، لأنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم النفر فقد فرغوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر، ونفروا. انتهى منه، وهذا المعنى الذي فسر به الحديث هو صريح معناه في رواية من روى: أن يرموا يوما ويدعوا يوما، وحديث عاصم العجلاني هذا قال فيه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢٣٩