تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء "

هكذا رواه النسائي وابن ماجه مرفوعا، وإسناده جيد، إلا أن يحيى بن معين وغيره، قالوا: يقال: إن الحسن العرني لم يسمع ابن عباس ورواه البيهقي موقوفا على ابن عباس. انتهى كلام النووي رحمه الله.

والذي رأيته في سنن النسائي، وابن ماجه: أن حديث الحسن العرني المذكور موقوف عندهما على ابن عباس، إلا ما ذكره من أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتضمخ بالمسك. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب في الحسن العرني المذكور، قال أحمد: لم يسمع من ابن عباس شيئا، وقال أبو حاتم: لم يدركه ا ه. والعرني بضم العين، وفتح الراء ثم نون: نسبة إلى عرينة بطن من بجيلة.

ومن أدلتهم على ذلك: ما رواه أبو داود في سننه من طريق الحجاج بن أرطاة عن الزهري عن عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شيء إلا النساء "

ا ه.

ومعلوم أن هذا الحديث ضعيف من وجهين:

أحدهما: هو ما قدمنا من تضعيف الحجاج بن أرطاة.

والثاني: أن الحجاج المذكور لم يسمع من الزهري. وقد قال أبو داود في سننه بعد أن ساق هذا الحديث: هذا حديث ضعيف: الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه، وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: أما حديث عائشة رضي الله عنها فرواه أبو داود بإسناد ضعيف جدا من رواية الحجاج بن أرطاة وقال: هو حديث ضعيف ا ه.

هذا هو حاصل حجة من قال: إنه يحل له بعد رمي جمرة العقبة كل شيء إلا النساء، وأما ما ذكرنا عن الشافعي: من أنه يحل له كل شيء إلا النساء باثنين من ثلاثة: هي الرمي، والحلق، والطواف، وتحل النساء بالثالث منها، بناء على أن الحلق نسك، وعلى أنه ليس بنسك، يحل له كل شيء إلا النساء بواحد من اثنين، هما: الرمي، والطواف وتحل له النساء بالثاني منهما لم نعلم له نصا يدل عليه، هكذا والظاهر أنه رأى هذه الأشياء لها مدخل في التحلل، وقد دل النص الصحيح على حصول التحلل الأول بعد الرمي والحلق، فجعل هو الطواف كواحد منهما.

والله تعالى أعلم.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق أن الطيب يحل له بالتحلل الأول، لحديث عائشة المتفق عليه الذي هو صريح في ذلك. وكذلك لبس الثياب، وقضاء التفث، وأن الجماع لا يحل إلا بالتحلل الأخير، وأما حلية الصيد بالتحلل الأول فهي محل نظر، لأن الأحاديث التي فيها التصريح، بأنه يحل له كل شيء إلا النساء، قد علمت ما فيها من الكلام، وحديث عائشة المتفق عليه، لم يتعرض لحل الصيد.

وظاهر قوله:

لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم

[المائدة: 95] يمكن أن يتناول ما بعد التحلل الأول، لأن حرمة الجماع تدل على أنه متلبس بالإحرام في الجملة، وإن كان قد حل له بعض ما كان حراما عليه، والله تعالى أعلم.

المسألة العاشرة في أحكام الرمي

اعلم أنا قدمنا في الكلام على الإفاضة من مزدلفة إلى منى، بعض أحكام رمي جمرة العقبة، فبينا كلام العلماء في حكمه، وفي أول وقته وآخره، وذكرنا بعض الأحكام المتعلقة برميها قريبا، والآن سنذكر إن شاء الله المهم من أحكام الرمي.

اعلم أن الرمي في أيام التشريق واجب، يجبر بدم عند جماهير العلماء على اختلاف بينهم في تعدد الدماء فيه، وعدم تعددها، ولا خلاف بينهم في أنه ليس بركن لأن الحج يتم قبله، ويتحلل صاحبه التحلل الأصغر والأكبر، فيحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام، فحجه تام إجماعا قبل رمي أيام التشريق، ولكن رميها واجب يجبر بدم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى فيها، وقال

" لتأخذوا عني مناسككم ".

فروع تتعلق بهذه المسألة

الفرع الأول: اعلم أن التحقيق أنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق، إلا بعد الزوال، لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ففي صحيح مسلم من حديث جابر قال:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢٣٦