تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فروع تتعلق بهذه المسألة

الفرع الأول: قد قدمنا أن المزدلفة كلها موقف، فحيث وقف منها أجزأه، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وقد قدمناه من حديث جابر عند مسلم.

الفرع الثاني: اعلم أنه ينبغي التعجيل بصلاة الصبح يوم النحر بمزدلفة في أول وقتها، كما فعل صلى الله عليه وسلم.

واعلم أن ما رواه البخاري، ومسلم في صحيحيهما من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى صلاة إلا بميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. ليس المراد به أنه صلى الصبح قبل طلوع الفجر، لأن ذلك ممنوع إجماعا، ولكن مراده به أنه صلاها قبل ميقاتها المعتاد الذي كان يصليها فيه، ولكن بعد تحقق طلوع الفجر.

ومما يدل على هذا ما رواه البخاري في صحيحه عن عبدالله بن مسعود نفسه رضي الله عنه حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: حج عبد الله رضي الله عنه، فأتينا المزدلفة. الحديث وفيه: فلما طلع الفجر قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم.

قال عبد الله: هما صلاتان يحولان عن وقتهما، صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله انتهى من صحيح البخاري.

فقول ابن مسعود في هذا الحديث الصحيح: فلما طلع الفجر وقوله: والفجر حين يبزغ الفجر وإتباعه ذلك بقوله رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، صريح فيما ذكرنا من أن مراده بقوله: قبل ميقاتها يعني به: وقتها الذي يصليها فيه عادة، وليس مراده أنه صلاها قبل طلوع الفجر كما ترى.

الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا في القدر الذي يكفي في النزول بالمزدلفة، فذهب مالك، وأصحابه، إلى أن النزول بمزدلفة بقدر ما يصلي المغرب والعشاء، ويتعشى يكفيه في نزول مزدلفة ولو أفاض منها قبل نصف الليل، وبعضهم يقول: لا بد في ذلك من حط الرحال، وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه إن دفع منها بعد نصف الليل أجزأه، وإن دفع منها قبل نصف الليل لزمه دم. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن دفع منها قبل الفجر لزمه دم، لأن وقت الوقوف عنده بعد صلاة الصبح، ومن حضر المزدلفة في ذلك الوقت فقد أتى بالوقوف، ومن تركه ودفع ليلا فعليه دم إلا إن كان لعذر.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة: هو أنه ينبغي أن يبيت إلى الصبح، لأنه لا دليل مقنعا يجب الرجوع إليه مع من حدد بالنصف الأخير، ولا مع من اكتفى بالنزول، وقياسهم الأقوياء على الضعفاء قائلين: إنه لو كان الدفع بعد النصف ممنوعا لما رخص فيه صلى الله عليه وسلم لضعفة أهله، لأنه لا يرخص لأحد في حرام، قياس مع وجود الفارق، ولا يخفى ما في قياس القوي على الضعيف الذي رخص له لأجل ضعفه كما ترى، ولا خلاف بين العلماء أن السنة أنه يبقى بجمع حتى يطلع الفجر كما تقدم ومن المعلوم أن جمعا والمزدلفة والمشعر الحرام، أسماء مترادفة، يراد بها شيء واحد خلافا لمن خصص المشعر الحرام بقزح دون باقي المزدلفة.

الفرع الرابع: اعلم أنه لا بأس بتقديم الضعفة إلى منى قبل طلوع الفجر. قال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم فيه مخالفا ا ه ومن المعلوم أن ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون، ويقدم إذا غاب القمر: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال سالم: وكان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل فيذكرون الله عز وجل، ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام، وقيل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإن قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢٢٨