تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومعلوم أن هذا الواقف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر، قد فاته المبيت بمزدلفة قطعا بلا شك، ومع ذلك فقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور بأن حجه تام.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن الاستدلال بهذا الحديث على هذا الحكم صحيح، ودلالته عليه هي المعروفة عند أهل الأصول بدلالة الإشارة، ومعلوم في الأصول أن دلالة الإشارة، ودلالة الاقتضاء، ودلالة الإيماء والتنبيه كلها من دلالة الالتزام، ومعلوم أن هذه الأنواع من دلالة الالتزام اختلف فيها هل هي من قبيل المنطوق غير الصريح، أو من قبيل المفهوم؟ وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله:

وفي كلام الوحي والمنطوق هل

ما ليس بالصريح فيه قد دخل

وهو دلالة اقتضاء أن يدل

لفظ على ما دونه لا يستقل

دلالة اللزوم مثل ذات

إشارة كذلك الايما آتي. الخ

وقصدنا هنا إيضاح دلالة الإشارة دون غيرها، وضابط دلالة الإشارة هي: أن يساق النص لمعنى مقصود: فيلزم ذلك المعنى المقصود أمر آخر غير مقصود باللفظ لزوما لا ينفك، كما أشار له في المراقي بقوله:

فأول إشارة اللفظ لما

لم يكن القصد له قد علما

فإذا علمت ذلك، فاعلم أنه صلى الله عليه وسلم، لم يذكر حديث عبدالرحمن بن يعمر المذكور لقصد بيان حكم المبيت بمزدلفة، ولكنه ذكره قاصدا بيان أن من أدرك الوقوف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر أن حجة تام، وهذا المعنى المقصود يلزمه حكم آخر غير مقصود باللفظ وهو عدم ركنية المبيت بمزدلفة، لأنه إذا لم يدرك عرفة إلا في الجزء الأخير من الليل، فقد فاته المبيت بمزدلفة قطعا، ومع ذلك فقد صرح صلى الله عليه وسلم بأن حجه تام.

ومن أمثلة دلالة الإشارة في القرآن قوله تعالى:

أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم

[البقرة: 187] فإنه يدل بدلالة الإشارة المذكورة، على صحة صوم من أصبح جنبا، لأن الآية الكريمة سيقت لبيان جواز الجماع في ليلة الصيام، وذلك صادق بآخر جزء منها، بحيث لا يبقى بعده من الليل، قدر ما يسع الاغتسال، فيلزم من جواز الجماع في آخر جزء من الليل، الذي دلت عليه الآية أنه لا بد أن يصبح جنبا، ولفظ الآية: لم يقصد به صحة صوم من أصبح جنبا، ولكن المعنى الذي قصد به يلزمه ذلك كما بينا.

ومن أمثلتها أيضا في القرآن قوله تعالى

وحمله وفصاله ثلاثون شهرا

[الأحقاف: 15] مع قوله:

وفصاله في عامين

[لقمان: 14] فإن الآيتين لم يقصد بلفظهما بيان قدر أقل أمد الحمل، ولكن المعنى الذي قصد بهما يلزمه أن أقل أمد الحمل ستة أشهر، لأنه جمع الحمل والفصال في ثلاثين شهرا، ثم بين أن الفصال في عامين، فيطرح من الثلاثين شهرا أربعة وعشرون التي هي عاما الفصال، فيبقى ستة أشهر، فدلت الآيتان دلالة الإشارة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم كما أوضحناه في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى:

الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار

[الرعد: 8].

ومراد الأصوليين أن المدلول عليه بالإشارة لم يقصد باللفظ، أن اللفظ لا يتناوله بحسب الوضع اللغوي، مع علمهم بأن علم الله محيط بكل شيء، سواء دل عليه اللفظ المذكور بمنطوقه أو لم يدل عليه، وحجتهم في أنه واجب يجبر بدم أنه نسك، وفي أثر ابن عباس: من ترك نسكا فعليه دم، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.

وأما حجة من قال: إنه ركن فهي من كتاب وسنة.

أما الكتاب، فقوله تعالى:

فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام

[البقرة: 198] قالوا: فهذا الأمر القرآني الصريح، يدل على أنه لا بد من ذكر الله عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفة.

وأما السنة، فمنها حديث عروة بن مضرس، الذي سقناه سابقا، فإن فيه

" من أدرك معنا هذه الصلاة، وكان قد أتى عرفات، قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه "

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢٢٦