ومن أمثلة ذلك ما رواه أبو داود في سننه، عن عمران بن حصين " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم " ا ه. أي سجد لعلة سهوه، وكذلك قول عائشة رضي الله عنها: قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، أي لأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم سن ذلك: أي فرضه بسنته كما تقدم إيضاحه، وإلى إفادة الفاء التعليل في كلام الشارع ثم الراوي الفقيه ثم الراوي غير الفقيه أشار في مراقي السعود بقوله في مراتب النص الظاهر:
فالفاء الشارع فالفقيه
فغيره يتبع بالشبيه
ومن أدلتهم على أن السعي ركن لا بد منه: حديث
" إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا "
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس، ومن حديث حبيبة بنت أبي تجراة، ومن حديث تملك العبدرية، ومن حديث صفية بنت شيبة.
قال الزيلعي في نصب الراية: أما حديث ابن عباس، فرواه الطبراني في معجمه، ثنا محمد بن النضر الأزدي، عن معاوية بن عمرو، عن المفضل بن صدقة، عن ابن جريج، وإسماعيل بن مسلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرمل؟ فقال
" إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا "
انتهى.
وأما حديث حبيبة بنت أبي تجراة فرواه الشافعي، وأحمد بن راهويه، والحاكم في المستدرك وسكت عليه، وأعله ابن عدي في الكامل بابن المؤمل، وأسند تضعيفه عن أحمد والنسائي، ووافقهم. ومن طريق أحمد الطبراني في معجمه، ومن طريق الشافعي رواه الدارقطني، ثم البيهقي في سننهما، قال الشافعي: أخبرنا عبدالله بن المؤمل العائذي، عن عمر بن عبد الرحمن بن حصين، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة إحدى نساء بني عبد الدار قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، وهو يقول
" اسعوا فإن الله تعالى كتب عليكم السعي "
انتهى. وأخرجه الحاكم في المستدرك أيضا في الفضائل، عن عبدالله بن نبيه، عن جدته صفية، عن حبيبة بنت أبي تجراة بنحوه. وسكت عنه أيضا، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا محمد عن عبدالله بن المؤمل، حدثنا عبدالله بن أبي حسين عن عطاء، عن حبيبة بنت أبي تجراة، فذكره، قال أبو عمرو بن عبد البر: أخطأ ابن أبي شيبة أو شيخه في موضعين منه.
أحدهما: أنه جعل موضع ابن محيصن عبدالله بن أبي حسين، والآخر أنه أسقط صفية بنت شيبة. قال ابن القطان في كتابه: وعندي أن الوهم من عبدالله بن المؤمل فإن ابن أبي شيبة إمام كبير، وشيخه محمد بن بشر ثقة، وابن المؤمل: سيئ الحفظ، وقد اضطرب في هذا الحديث اضطرابا كثيرا فأسقط عطاء مرة، وابن محيصن أخرى، وصفية بنت شيبة أخرى، وأبدل ابن محيصن بابن أبي حسين أخرى، وجعل المرأة عبدرية تارة ويمنية أخرى. وفي الطواف تارة، وفي السعي بين الصفا والمروة أخرى، وكل ذلك دليل على سوء حفظه، وقلة ضبطه. والله أعلم انتهى.
طريق آخر أخرجه الدارقطني في سننه، عن ابن المبارك، أخبرني معروف بن مشكان، قال: أخبرني منصور بن عبدالرحمن، عن أمه صفية قالت: أخبرني نسوة من بني عبد الدار اللاتي أدركن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلن: دخلنا دار ابن أبي حسين فاطلعنا من باب مقطع فرأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد في المسعى إلى آخره.
قال صاحب التنقيح: إسناده صحيح ومعروف بن مشكان باني كعبة الرحمن صدوق، لا نعلم من تكلم فيه، ومنصور هذا ثقة مخرج له في الصحيحين. انتهى.
وأما حديث " تملك العبدرية " فأخرجه البيهقي في سننه، والطبراني في معجمه عن مهران بن أبي عمر، ثنا سفيان، ثنا المثنى بن الصباح عن المغيرة بن حكيم، عن صفية بنت شيبة، عن تملك العبدرية: قالت: نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا في غرفة لي بين الصفا والمروة، وهو يقول