وقال النووي في شرح المهذب في الكلام على حديث
" الطواف صلاة "
ما نصه: وقد سبق أن الصحيح أنه موقوف على ابن عباس، وتحصل منه الدلالة أيضا، لأنه قول صحابي اشتهر، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فكان حجة كما سبق بيانه في مقدمة هذا الشرح، وقول الصحابي حجة أيضا، عند أبي حنيفة انتهى منه.
فهذا الذي ذكرنا هو حاصل أدلة من قال: باشتراط الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر للطواف، وأما اشتراط ستر العورة للطواف فقد استدلوا له بحديث متفق عليه دال على ذلك.
قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث قال يونس: قال ابن شهاب: حدثني حميد بن عبدالرحمن: أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وقال مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو عن ابن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة ح حدثني حرملة بن يحيى التجيبي، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس: أن ابن شهاب أخبره عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط، يؤذن في الناس يوم النحر:
" لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان "
قال ابن شهاب: فكان حميد بن عبدالرحمن يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة، فهذا الحديث المتفق عليه بلفظ
" ولا يطوف بالبيت عريان "
يدل فيه مسلك الإيماء والتنبيه على أن علة المنع من الطواف، كونه عريانا، وهو دليل على اشتراط ستر العورة للطواف كما ترى.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وجوب ستر العورة للطواف، يدل عليه كتاب الله في قوله تعالى في سورة الأعراف
يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد
[الأعراف: 31] الآية. وإيضاح دلالة هذه الآية الكريمة على ستر العورة للطواف، يتوقف أولا على مقدمتين.
الأولى منهما: أن تعلم أن المقرر في علوم الحديث، أن تفسير الصحابي إذا كان له تعلق بسبب النزول، أن له حكم الرفع كما أوضحناه في سورة البقرة.
قال العلوي الشنقيطي في طلعة الأنوار:
تفسير صاحب له تعلق
بالسبب الرفع له محقق
وقال العراقي في ألفيته:
وعد ما فسره الصحابي
رفعا فمحمول على الأسباب
المقدمة الثانية: هي أن تعلم أن صورة سبب النزول قطعية الدخول عند جماهير الأصوليين، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
فإذا علمت ذلك: فاعلم أن سبب نزول قوله تعالى
خذوا زينتكم عند كل مسجد
[الأعراف: 31] أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، فكانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني ثوبا تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله
وما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية في هذا السبب
يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد
[الأعراف: 31] الآية. ومن زينتهم التي أمروا بأخذها عند كل مسجد: لبسهم الثياب عند المسجد الحرام للطواف، لأنه هو صورة سبب النزول. فدخولها في حكم الآية قطعي عند الجمهور، كما ذكرناه الآن وأوضحناه سابقا في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. فالأمر في: خذوا شامل لستر العورة للطواف، وهو أمر حتم أوجبه الله مخاطبا به بني آدم، وهو السبب الذي نزل فيه الأمر.
واعلم أيضا: أنه ثبت عن ابن عباس ما يدل على أنه فسر
خذوا زينتكم
[الأعراف: 31] بلبس الثياب للطواف استنادا لسبب النزول.
قال مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر ح وحدثني أبو بكر بن نافع واللفظ له، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان المرأة تطوف بالبيت، وهي عريانة فتقول: من يعيرني تطوافا تجعله على فرجها وتقول: