قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يتعين النسخ الذي ذكره النووي، لما تقرر في الأصول عن جماعة من العلماء، أن من الأفعال لا تعارض بينها، فلا يلزم نسخ الآخر منها للأول، بناء على أن الفعل لا عموم له، فلا يقع في الخارج إلا شخصيا لا كليا، حتى ينافي فعلا آخر، فجائز أن يقع الفعل واجبا في وقت، وفي وقت آخر بخلافه.
قال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: مسألة الفعلان لا يتعارضان كصوم وأكل، لجواز تحريم الأكل في وقت، وإباحته في آخر. الخ، ومحل عدم تعارض الفعلين المذكور ما لم يقترن بالفعلين، قول يدل على ثبوت الحكم، وإلا كان آخر الفعلين ناسخا للأول عند قوم، وعند آخرين لا يكون ناسخا، كما لو لم يقترن بهما قول، وعن مالك والشافعي يصار إلى الترجيح بين الفعلين، إن اقترب بهما القول وإن لم يترجح أحدهما، فالتخيير بينهما مثال الفعلين اللذين لم يقترن بهما قول يدل على ثبوت الحكم مشيه صلى الله عليه وسلم بين الركنين اليمانيين ورمله في غير ذلك من الأشواط الثلاثة الأول في عمرة القضاء، مع رمله في الجميع في حجة الوداع، ومثال الفعلين اللذين اقترن بهما قول يدل على ثبوت الحكم صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف على صفات متعددة، مختلفة كما أوضحناه في سورة النساء، مع أن تلك الأفعال المختلفة اقترنت بقول يدل على ثبوت الحكم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم
" صلوا كما رأيتموني أصلي "
فالجاري على الأصول حسبما ذكرنا عن جماعة منهم: ابن الحاجب، والعضد، والرهوني، وغيرهم أن طواف الأشواط كلها ليس ناسخا للمشي بين الركنين، وأن صيغة صلاة الخوف فيها الأقوال المارة قيل كل صورة بعد أخرى، فهي ناسخة لها، وقيل كلها صحيحة لم ينسخ منها شيء وقيل: بالترجيح بين صورها، وإن لم يترجح واحد، فالتخيير. وإلى هذه المسألة أشار صاحب مراقي السعود بقوله:
ولم يكن تعارض الأفعال
في كل حالة من الأحوال
وإن يك القول بحكم لامعا
فآخر الفعلين كان رافعا
والكل عند بعضهم صحيح
ومالك عنه روى الترجيح
وحيثما قد عدم المصير
إليه فالأولى هو التخيير
وقال صاحب الضياء اللامع شرح جمع الجوامع: تنبيه: لم يتعرض المصنف للتعارض بين الفعلين، وصرح الرهوني وغيره، بأنه لا تعارض بينهما في الحقيقة سواء تماثل الفعلان، أو اختلفا، وسواء أمكن الجمع بينهما، أو لم يمكن لأن الفعل لا عموم له من حيث هو إذ لا يقع في الأعيان، إلا مشخصا فلا يكون كليا حتى ينافي فعلا آخر، فجاز أن يكون واجبا في وقت مباحا في آخر، وهذا ما لم يقترن بالفعل قول: يدل على ثبوت الحكم كقوله عليه الصلاة والسلام
" صلوا كما رأيتموني أصلي "
ورأوه صلى صلاة الخوف على صفات متعددة فقال الأبياري: هذا كاختلاف القولين على الصحيح، والمتأخر ناسخ، وقيل: يصح إيقاعها على كل وجه من تلك الوجوه، وبه قال القاضي: وللشافعي ميل إليه وقيل يطلب الترجيح، كما قال مالك والشافعي. انتهى محل الغرض منه.
والرمل: مصدر رمل بفتح الميم يرمل بضمها رملا بفتح الميم ورملانا: إذا أسرع في مشيته وهز منكبيه وهو في ذلك لا ينزو أي لا يثبت وأنشد المبرد:
ناقته ترمل في النقال
متلف مال ومفيد مال
ومراده بالنقال: المناقلة، وهو أن تضع رجليها مواضع يديها، وهو دليل على أن الرمل فيه إسراع، وهو الخبب، ولذا جاء في بعض روايات الحديث: رمل وفي بعضها خب، والمعنى واحد.
الفرع الثالث: التحقيق أن الاضطباع يسن في الطواف، لثبوت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم.
قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن كثير: أخبرنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن يعلى عن يعلى، قال
" طاف النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعا ببرد أخضر "
حدثنا أبو سلمة موسى، ثنا حماد عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى "