تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت "

فقال عبدالله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. وفي رواية عنها فيه أيضا قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

" لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية أو قال: بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر "

وفي رواية عنها فيها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين، بابا شرقيا، وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حين بنت الكعبة "

انتهى من صحيح مسلم. وحديثها هذا المتفق عليه الذي ذكرنا بعض رواياته في الصحيحين، نص صريح فيما ذكرنا وبه تعلم أن قول من زعم من أهل العم أن من سلك نفس الحجر في طوافه، ثم رجع إلى بلده، لزمه دم مع صحة طوافه غير صحيح لما رأيت من أن الحجر من البيت، وأن الطواف فيه ليس طوافا بالبيت.

والعلم عند الله تعالى.

الفرع الثاني: يسن الرمل في الأشواط الثلاثة الأول من أول طواف يطوفه القادم، إلى مكة، سواء كان طواف عمرة، أو طواف قدوم في حج، وأما الأشواط الأربعة الأخيرة فإنه يمشي فيها، ولا يرمل، وذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما.

قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد هو ابن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلا الإبقاء عليهم. ثم قال البخاري رحمه الله: حدثنا أصبع بن الفرج، أخبرني ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود، أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبع. ثم قال البخاري رحمه الله: حدثني محمد، حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سعى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشواط، ومشى أربعة في الحج والعمرة، تابعه الليث. قال: حدثني كثير بن فرقد عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم. حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن أسلم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استلمك ما استلمتك، فاستلمه ثم قال: فما لنا وللرمل إنما كنا رأينا المشركين، وقد أهلكهم الله ثم قال شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلم، فلا نحب أن نتركه. انتهى منه، وفي حديث جابر الطويل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، عند مسلم: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا الحديث. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول، يخب ثلاثة أطواف، ويمشي أربعة، وأنه كان يسعى بطن المسيل، إذا طاف بين الصفا والمروة " وفي لفظ عند البخاري، ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طاف الطواف الأول، خب ثلاثا ومشى أربعا، وكان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة " زاد مسلم: وكان ابن عمر يفعل ذلك.

وبهذه النصوص الصحيحة يتبين أن الرمل في الأشواط الثلاثة في طواف العمرة وطواف القدوم مما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك عامة أهل العلم إلا من شذ، وإن ترك الرمل في الأشواط الأول لم يقضه في الأشواط الأخيرة على الصواب. ولا يلزم بتركه دم على الأظهر، لعدم الدليل، خلافا لمن أوجب فيه الدم.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٩٥