تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة قال: قال عبدالله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها الحديث. وفيه التصريح بنهي عثمان رضي الله عنه، عن التمتع، وبما ذكرنا كله تعلم: أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كلهم كانوا يرون الإفراد أفضل، وكان هو الذي يفعلونه كما رأيت. الروايات الصحيحة بذلك، وهو المعروف عنهم رضي الله عنهم فما ورد مما يخالف ذلك فهو مردود بما رأيت.

تنبيه

فإن قيل: هؤلاء الذين يفضلون الإفراد، كمالك، والشافعي، وأصحابهما، وكأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ومن ذكرنا سابقا ممن يقول: بأفضلية الإفراد على غيره، من أنواع النسك بأي جواب يجيبون عن الأحاديث الصحيحة الواردة: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا والأحاديث الصحيحة الواردة، بأنه كان متمتعا والأحاديث الصحيحة الواردة بأنه أمر كل من لم يسق هديا من أصحابه، بأن يتحلل من إحرامه بعمرة، فالذين أحرموا بالإفراد أمرهم بفسخ الحج في عمرة، والتحلل التام من تكل العمرة وتأسف هو صلى الله عليه وسلم على أنه ساق الهدي الذي صار سببا لمنعه من التحلل بعمرة وقال

" لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة "

مع أنه صلى الله عليه وسلم لا يتأسف على فوات العمرة، إلا وهي أفضل من غيرها والقرآن الذي اختاره الله له لا يكون غيره أفضل منه، لأن الله لا يختار لنبيه في نسكه إلا ما هو الأفضل.

فالجواب: أن المالكية والشافعية يقولون: إن التمتع الذي أمر به صلى الله عليه وسلم من كان مفردا وذلك بفسخ الحج في العمرة، لا شك أنه في ذلك الوقت، وفي تلك السنة أفضل من غيره، ولكن لا يلزم من أفضليته في ذلك الوقت، أن يكون أفضل فيما سواه.

وإيضاح ذلك: أنه دلت أدلة سيأتي قريبا تفصيلها إن شاء الله، على أن تحتم فسخ الحج المذكور في العمرة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه به خاص بذلك الركب وبتلك السنة، وأنه ما أمر بذلك لأفضلية ذلك في حد ذاته، ولكن لحكمة أخرى خارجة عن ذاته: وهي أن يبين للناس، أن العمرة في أشهر الحج جائزة، وما فعله صلى الله عليه وسلم، أو أمر به للبيان والتشريع، فهو قربة في حقه، وإن كان مكروها، أو مفضولا، فقد يكون الفعل بالنظر إلى ذاته مفضولا أو مكروها، ويفعله النبي صلى الله عليه وسلم، أو يأمر به لبيان الجواز فيصير قربة في حقه، وأفضل مما هو دونه بالنظر إلى ذاته كما هو مقرر في الأصول، وإليه أشار صاحب مراقي السعود بقوله:

وربما يفعل للمكروه

مبينا أنه للتنزيه

فصار في جانبه من القرب

كالنهي أن يشرب من فم القرب

وقال في نشر البنود في شرحه للبيتين المذكورين: يعني، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يفعل المكروه المنهي عنه، مبينا بذلك الفعل، أن النهي للتنزيه لا للتحريم، فصار ذلك الفعل في حقه قربة يثاب عليها لما فيه من البيان، كنهيه عن الشرب من أفواه القرب، وقد شرب منها انتهى منه.

وليس قصدنا أن التمتع والقران مكروهان، بل لا كراهة في واحد منهما يقينا، ولكن المقصود بيان أن الفعل الذي فعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز، يكون بهذا الاعتبار أفضل من غيره، وإن كان غيره أفضل منه، بالنظر إلى ذاته وهذه هي الأدلة الدالة، على أنه فعل ذلك لبيان الجواز ولذلك يختص بذلك الركب، وتلك السنة.

الأول: منها حديث ابن عباس المتفق عليه، الذي قدمناه قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج، من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرا، ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر،

" فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال " الحل كله " "

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٧٤