تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: هذا الذي قاله من أن قول غيره تصحيف ليس كما قال، بل هو صحيح في الرواية وصحيح في المعنى، لأن قوله غيره يتناول العمرة وغيرها.

ويكون تقدير الكلام: ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره: أي لم يغير الحج، ولم ينقله، ويفسخه إلى غيره لا عمرة ولا قران، والله أعلم، انتهى كلام النووي، وهو صواب.

وقال البخاري في صحيحه: حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن محمد بن عبدالرحمن بن نوفل القرشي: أنه سأل عروة بن الزبير، فقال: قد حج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة رضي الله عنها: أنه أول شيء بدأ به حين قدم: أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر رضي الله عنه، فكان أول شيء بدأ به: الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم عمر رضي الله عنه مثل ذلك، ثم حج عثمان رضي الله عنه، فرأيته أول شيء بدأ به: الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم معاوية وعبدالله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به: الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها عمرة، وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه ولا أحد ممن مضى، ما كانوا يبدأون بشيء، حتى يضعوا أقدامهم من الطواف بالبيت، ثم لا يحلون. وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبتدئان بشيء أول من البيت تطوفان به ثم لا تحلان، وقد أخبرتني أمي: أنها أهلت، هي وأختها والزبير، وفلان، وفلان بعمرة. فلما مسحوا الركن حلوا. انتهى منه.

وقال البخاري رحمه الله في صحيحه أيضا: حدثنا أصبغ، عن ابن وهب: أخبرني عمرو عن محمد بن عبدالرحمن ذكرت لعروة قال: فأخبرتني عائشة رضي الله عنها: أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم: أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما مثله، ثم حججت مع أبي الزبير رضي الله عنه، فأول شيء بدأ به الطواف، ثم رأيت المهاجرين، والأنصار يفعلونه، وقد أخبرتني أمي: أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلوا. انتهى منه.

قالوا: وجواب ابن عباس رضي الله عنهما عن حديث عروة المذكور لا يدفع احتجاج عروة بما ذكر، وكذلك جواب ابن حزم، وقد أجاب عروة ابن عباس فأسكته.

أما جواب ابن عباس الذي ذكروه، فهو ما رواه الأعمش، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عروة: نهى أبو بكر، وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراكم ستهلكون، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: قال أبو بكر وعمر وقال عبدالرزاق: حدثنا معمر، عن أيوب قال: قال عروة لابن عباس: ألا تتقي الله ترخص في المتعة، فقال ابن عباس: سل أمك يا عرية، فقال عروة: أما أبو بكر وعمر فلم يفعلا.

فقال ابن عباس: والله ما أراكم منهين حتى يعذبكم الله أحدثكم عن رسول الله، وتحدثوننا عن أبي بكر وعمر، فقال عروة: لهما أعلم بسنة الله صلى الله عليه وسلم. وأتبع لها منك ا ه. قالوا: فترى عروة أجاب ابن عباس بجواب أسكته به.

ولا شك أن الخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، كانوا أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتبع لها لا يمكن ابن عباس أن ينكر ذلك.

وأما جواب ابن حزم فهو قوله: إن ابن عباس أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر من عروة، وأنه يعني ابن عباس خير من عروة وأولى منه بالنبي، والخلفاء الراشدين، ثم ساق آثارا من طريق البزار وغيره عن ابن عباس، يذكر فيها التمتع، عن أبي بكر، وعمر وأن أول من نهى عنه معاوية، ولا يخفى سقوط كلام ابن حزم المذكور في رده على عروة بن الزبير رضي الله عنهما. أما قوله: إن ابن عباس أعلم من عروة، وأفضل فلا يرد رواية عروة بسند صحيح عن الخلفاء الراشدين: أنهم كانوا يفردون كما ثبت في صحيح مسلم. وابن عباس لم يعارض عروة: بأن فعلهما كان مخالفا لما ذكره عروة من الإفراد، وإنما احتج بأن أمر النبي أولى بالاتباع من أمرهما، وقد أجابه عروة بأنهما ما فعلا إلا ما علما من النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أكمل وأتبع لسنته صلى الله عليه وسلم. وأما الآثار التي رواها من طريق ليث وغيره بأنهما ما فعلا إلا ما علما من النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أكمل وأتبع لسنته صلى الله عليه وسلم. وأما الآثار التي رواها من طريق ليث وغيره فلا يخفى أنها لا تعد شيئا مع ما ثبت في الصحيحين عنهم من الروايات التي لا مطعن فيها أنهم كانوا يفضلون الإفراد.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٧٢