حدثنا موسى أبو سلمة ثنا حماد، عن قتادة عن أبي شيخ الهنائي خيوان بن خلدة ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة: أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كذا وكذا، وعن ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا، فقال: أما إنها معهن، ولكنكم نسيتم.
انتهى منه.
الأمر الرابع: من الأمور التي استدل بها القائلون: بأفضلية الإفراد على غيره، أنه هو الذي كان الخلفاء الراشدون يفعلونه بعده صلى الله عليه وسلم، وهم أفضل الناس وأتقاهم، وأشدهم اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس مفردا، وحج عمر بن الخطاب عشر سنين بالناس مفردا، وحج عثمان رضي الله عنه بهم مدة خلافته مفردا قالوا: فمدة هؤلاء الخلفاء الراشدين الثلاثة حول أربع وعشرين سنة وهم يحجون بالناس مفردين، ولو لم يكن الإفراد أفضل من غيره، لما واظبوا عليه هذه المدة الطويلة.
قال النووي في شرح المهذب، وشرح مسلم في أدلة من فضل الإفراد: ومنها: أن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أفردوا الحج، وواظبوا عليه، كذلك فعل أبو بكر وعمر وعثمان. واختلف فعل علي رضي الله عنهم أجمعين. وقد حج عمر بالناس عشر حجج مدة خلافته كلها مفردا، ولو لم يكن هذا هو الأفضل عندهم، وعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم حج مفردا لم يواظبوا على الإفراد مع أنهم الأئمة الأعلام، وقادة الإسلام ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم، وكيف يظن بهم المواظبة على خلاف فعل النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنهم خفي عليهم جميعهم فعله صلى الله عليه وسلم. وأما الخلاف عن علي وغيره، فإنما فعلوه لبيان الجواز، وقد قدمنا عنهم ما يوضح هذا انتهى منه.
الأمر الخامس: من الأمور التي استدل بها القائلون. بأفضلية الإفراد: هو ما ذكره النووي في شرح المهذب قال: ومنها: أن الأمة أجمعت على جواز الإفراد من غير كراهة، وكره عمر وعثمان وغيرهما ممن ذكرناه قبل هذا التمتع، وبعضهم كره التمتع والقران وإن كانوا يجوزونه على ما سبق تأويله، فكان ما أجمعوا على أنه لا كراهة فيه أفضل. انتهى منه.
وقال البيهقي في السنن الكبرى: فثبت بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جواز التمتع والقران والإفراد، وثبت بمضي النبي صلى الله عليه وسلم في حج مفرد ثم باختلاف الصدر الأول في كراهية التمتع والقران دون الإفراد كون إفراد الحج عن العمرة أفضل. والله أعلم. انتهى منه.
وقال البيهقي في السنن الكبرى أيضا: أخبرنا أبو عبدالرحمن السلمي وأبو بكر بن الحارث الفقيه قالا: ثنا علي بن عمر الحافظ، ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو هشام، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا أبو حصين عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: حججت مع أبي بكر رضي الله عنه فجرد، ومع عمر رضي الله عنه فجرده، ومع عثمان رضي الله عنه فجرد.
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبدالله بن بشران، أنبأ إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عبدالكريم بن الهيثم، ثنا أبو اليمان، أخبرني شعيب، أنبأ نافع: أن ابن عمر كان يقول: إن عمر رضي الله عنه كان يقول: أن تفصلوا بين الحج والعمرة، وتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته انتهى منه.
ثم ساق البيهقي بسنده عن عبدالله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم عن أبيهما عن علي أنه قال: يا بني أفرد الحج، فإنه أفضل ا ه، وساق بسنده عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: جردوا الحج. وفي رواية له عنه: أنه أمر بإفراد الحج قال فكان أحب أن يكون لكل واحد منهما شعث وسفر. انتهى من البيهقي.