تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاستبقوا الخيرات

[البقرة: 148] الآية، ويدخل فيه الاستباق إلى الامتثال وصيغ الأمر في قوله ﴿ وسارعوا ﴾ وقوله: ﴿ سابقوا ﴾ ، وقوله ﴿ فاستبقوا ﴾ تدل على الوجوب، لأن الصحيح المقرر في الأصول: أن صيغة أفعل إذا تجردت عن القرائن، اقتضت الوجوب، وإليه أشار في المراقي بقوله:

وأفعل لدى الأكثر للوجوب الخ

وذلك لأن الله تعالى يقول

فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم

[النور: 63] وقال جل وعلا

وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم

[الأحزاب: 36] فصرح جل وعلا، بأن أمره قاطع للاختيار، موجب للامتثال، وقد سمى نبيه موسى عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام مخالفة الأمر معصية، وذلك في قوله

أفعصيت أمري

[طه: 93] يعني قوله له:

اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين

[الأعراف: 142] وإنما قال موسى ذلك لأخيه هارون، قبل أن يعلم حقيقة الحال، فلما علمها قال:

رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين

[الأعراف: 151] ومما يدل على اقتضاء الأمر الوجوب: أن الله جل وعلا، عنف إبليس، لما خالف الأمر بالسجود، وذلك في قوله

قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك

[الأعراف: 12] والنصوص بمثل هذا كثيرة، وقد أجمع أهل اللسان العربي: أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء مثلا، فلم يمتثل أمره فأدبه على ذلك، أن ذلك التأديب واقع موقعه، لأنه عصاه بمخالفة أمره، فلو قال العبد: ليس لك أن تؤدبني، لأن أمرك لي بقولك: اسقني ماء لا يقتضي الوجوب لقال له أهل اللسان: كذبت، بل الصيغة ألزمتك، ولكنك عصيت سيدك، فدل ما ذكر على أن الشرع واللغة، دلا على اقتضاء الأمر المجرد الوجوب، وذلك يدل على أن قوله:

سابقوا

[الحديد: 21] وقوله

وسارعوا

[آل عمران: 133] يدل على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامر الله فورا.

ومن الآيات التي فيها الثناء على المبادرين إلى امتثال أوامر ربهم قوله تعالى

إنهم كانوا يسارعون في الخيرات

[الأنبياء: 90] الآية. وقوله تعالى

أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون

[المؤمنون: 61].

وأما القسم الدال على التخويف من الموت، قبل الامتثال المتضمن الحث على الامتثال: فهو أن الله جل وعلا، أمر خلقه أن ينظروا في غرائب صنعه، وعجائبه كخلقه للسماوات والأرض، ونحو ذلك في الآيات من كتابه كقوله

قل انظروا ماذا في السماوات والأرض

[يونس: 101] الآية. وقوله تعالى

أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج

[ق: 6] وقوله

أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السمآء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت

[الغاشية: 17-20]. ثم ذكر في آية أخرى ما يدل على أن ذلك النظر مع لزومه يجب معه النظر في اقتراب الأجل، فقد يقترب أجله، ويضيع عليه أجر الامتثال بمعالجة الموت، وذلك في قوله تعالى

أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم

[الأعراف: 185] إذ المعنى: أو لم ينظروا في أنه عسى أن يكون أجلهم قد اقترب، فيضيع عليهم الأجر بعدم المبادرة قبل الموت، وفي الآية دليل واضح، على أن الإنسان يجب عليه أن يبادر إلى امتثال الأمر، خشية أن يعاجله الموت قبل ذلك.

ومن أدلتهم على أن وجوب الحج على الفور، أحاديث جاءت دالة على ذلك، ولا يخلو شيء منها من مقال، إلا أنها تعتضد بالآيات المذكورة، وبما سنذكره إن شاء الله بعدها.

منها ما أخرجه أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن إسماعيل وهو أبو إسرائيل الملائي، عن فضيل، يعني: ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" تعجلوا إلى الحج "

يعني الفريضة. فقوله في هذا الحديث: تعجلوا يدل على الفور، وقد نقل حديث أحمد هذا المجد في المنتقى بحذف الإسناد على عادته، فقال: عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٦١